لماذا نبدو أثمن حين نموت؟.. فلسفة الغياب ولعنة التأجيل
بقلم: إياد التكريتي.
رحيل يوقظ الذاكرة:
ثمة تساؤل مرير يطرق أبواب الوجدان مع كل فاجعة رحيل: لماذا نتحول فجأة إلى كنوزٍ مفقودة بمجرد أن يوارى جسدنا التراب؟ لماذا يغدو الراحل في عيون من حوله شيئاً ثميناً لا يُعوض، وكأن بريق قيمته لم يلمع إلا حين انطفأت شعلة حياته؟
![]() |
| لماذا نبدو أثمن حين نموت؟.. فلسفة الغياب ولعنة التأجيل. |
ما إن يغلق الموت خلفنا بابه الأبدي، حتى يبدأ الأحياء في رحلة تفتيشٍ مضنية في دهاليز ماضينا؛ يستنطقون الذكريات، يحللون تفاصيل عباراتنا العابرة، ويتأملون أدق حركتنا وسكناتنا. فجأة، تصبح صورنا "أيقونات" تزين شاشات هواتفهم، وتتحول دفاتر أيامنا المنسية إلى مزارات مقدسة يقلبونها بدموعٍ ساخنة، وينثرون في حقنا من بديع النثر وعذب الكلام ما لم نسمعه قط ونحن أحياء.
الحب الممنوع من الصرف
لم يكن الأمر عسيراً، ولم يكن الحب عصياً على البوح حين كانت الأنفاس تتردد في الصدور. كان بإمكانهم أن يسكبوا ذلك الندم في قوالب اعتذار صادقة، وكان بوسعهم أن يحولوا تلك القصائد الجنائزية إلى كلمات دافئة تطمئن قلوبنا المنهكة.
إن هذا الحزن المتأخر يطرح علامة استفهام موجعة: ما الذي منعهم من مبادلتنا الضحكات واللحظات السعيدة التي كنا نحلم بها؟ لماذا لم يكونوا "أصدقاء قريبين" كما يجب، إلا حين صار القرب مستحيلاً؟ يبدو أن البشر، في تناقضهم العجيب، لا يدركون فداحة الفقد إلا حين يصبح الصمت هو اللغة الوحيدة المتبقية بيننا وبينهم.
فخ "حقائب الغد"
إن أكبر خطيئة نرتكبها في حق أنفسنا وفي حق من نحب، هي تلك العادة المزمنة بتأجيل المشاعر ووضع أمنياتنا في "حقائب الغد". نحن نعيش وهم الخلود، ونظن أن الوقت متسعٌ دائماً لقول "أحبك" أو لطلب الصفح.
لكن الحقيقة الصارمة تخبرنا بأن الغد قد لا يفتح حقائبه أبداً. لذا، لا تتركوا أمنياتكم معلقة على مشجب الانتظار، بل احملوها على أكتافكم، اجعلوها رفيقاً لدروبكم في هذه اللحظة وكل لحظة. اكتبوا رسائلكم الآن، اخرجوا مع من تحبون، استمتعو بروح الحياة وتفاصيلها الصغيرة، ولا تسمحوا لأنفسكم بأن تصيروا سجناء خلف قضبان الندم التي لا ترحم.
نداء قبل فوات الأوان
الحياة قصيرة، أقصر مما نتخيل، والموت لا يطرق الباب ليستأذن. لذا، كونوا قريبين.. قريبين بقلوبكم وأرواحكم من زوجاتكم، أزواجكم، أولادكم، أمهاتكم، وذويكم. تلمسوا دفء وجودهم قبل أن تبرد أجسادهم، وأسمعوهم صدى حبكم قبل أن يغيبوا في صمت المقابر.
إن الحسرة الحقيقية ليست في الموت، بل في "اللقاء المؤجل" الذي لن يحدث إلا في يوم المحشر. عيشوا اللحظة بصدق، واجعلوا من تحبون يشعرون بقيمتهم وهم بينكم، فلا قيمة لتاجٍ من الورد يوضع فوق قبر، بينما كان صاحبه يحلم بزهرة واحدة وهو على قيد الحياة.
الخلاصة: لا تجعلوا الموت هو المعيار الوحيد لمعرفة قيمة البشر، فالإنسان يزهر بالكلمة الطيبة واللمسة الحانية وهو يتنفس، لا بالرثاء الباكي حين يرحل.
