recent
أخبار ساخنة

الفنان رضا مبارك: "باجلياشو" العراق الذي لا تطفئه الدموع

Site Administration
الصفحة الرئيسية

🎭 الفنان رضا مبارك: "باجلياشو" العراق الذي لا تطفئه الدموع

بقلم: مالك عبد القادر المهداوي 🖋️

في أزقة مدينة خانقين العريقة، حيث يختلط شجن الناي بضحكات البسطاء، يبرز اسم الفنان الشامل رضا مبارك كظاهرة إنسانية وفنية فريدة. هو ذاك المبدع الذي أتقن الوقوف على الحافة الفاصلة بين الكوميديا السوداء والغناء الشجي، فكان صوته بلسماً للفقراء، ومقالبه الفكاهية ملاذاً للمتعبين. لكن، وكما قيل قديماً: 

"من لا يعرفك لا يثمنك"، فمن الصعب على العابرين إدراك حجم الحزن الذي يواريه هذا الفنان خلف جدار صدره الحصين، ومن الأصعب اقتحام أعماقه التي تشبه بحراً تلاطم فيه أمواج الإبداع والوجع.

الفنان رضا مبارك: "باجلياشو" العراق الذي لا تطفئه الدموع
الفنان رضا مبارك: "باجلياشو" العراق الذي لا تطفئه الدموع.

اليوم، يبحر كادر مجلة شهربان الإلكترونية في مسيرة هذا "المهرج النبيل"، في قراءة تحليلية لشخصية تستحضر في أذهاننا أسطورة "باجلياشو"؛ ذاك الذي يسابق الدمع ليقدم فقرته ويمنح الناس ضحكةً لم يذق طعمها. إن رضا مبارك هو الامتداد العراقي لمدرسة "الضحك المر"، التي جسدها العملاق عبد الفتاح القصري بعفويته، وملك الفكاهة إسماعيل ياسين الذي أضحك الملايين وعاش غصة الخذلان.

خلف ستارة المسرح، وفي غمرة التصفيق، تبقى دمعة "أبو رسول" حاضرة، تذكرنا بكلمات الصعلوك الضاحك تشارلي شابلن: "أنا أحب المشي تحت المطر، لكي لا يرى أحد دموعي". هكذا هو رضا مبارك؛ فنانٌ يغسل أحزانه بماء الصبر، ويحيل أنينه إلى بستات ومقامات، ليظل فناراً لمدينة خانقين، ومثالاً للمبدع الذي يعطي كُل شيء، بينما يخبئ انكساراته في زوايا روحه العفيفة.

1️⃣ الفصل الأول: النُشأة.. ولادة "جيل الثورة" في حضن خانقين 🏠

في عام 1968، وفي قلب مدينة خانقين التي تعبق برائحة التاريخ، وُلد الفنان الرائع رضا مبارك، ليُسجل اسمه ضمن "جيل الثورة" الذي عاصر تحولات العراق الكبرى. نشأ في بيتٍ بسيط، لكنه كان غنياً بالدفء والحنان، ومن تلك الأسرة الطيبة نهل قيم المحبة التي شكلت جوهره الإنساني لاحقاً.

دخل "أبو رسول" المدرسة تلميذاً مشاغباً بظُرف، ومرحاً تسبقه ابتسامته؛ ومن هناك بدأت ملامح شخصيته الإبداعية تتشكل. حينها، أدرك رضا بحدسه الفطري أن حنجرته تمتلك شجناً خاصاً، وأن قدرته على انتزاع الضحكات من زملائه هي موهبة لا تقل شأناً عن الغناء.

كان للنشاطات اللاصفية في ذلك الوقت دورٌ جوهري، حيث وجد رضا في "مركز الطلائع" الحاضنة التي اكتشفت طاقاته الكامنة. بذكاء المشرفين، تم تسليط الضوء على هذه الموهبة الفطرية في التمثيل والغناء، وبدلاً من الانتظار، شرع رضا في تطوير فنه ذاتياً. انكب على حفظ الأغاني الريفية والبغدادية، ولم يقف عند لغة واحدة، بل طوع حنجرته لتشدو بالكردية والتركمانية بطلاقة نادرة.

وعلى الرغم من تفوق موهبته، إلا أن رحلته الدراسية توقفت عند محطة الثالث متوسط، حيث غادر مقاعد الدراسة دون أن يطرق أبواب معهد الفنون الجميلة؛ وهو القرار الذي يصفه الكثيرون بالخطأ التاريخي في مسيرته، إذ حرم الفن الأكاديمي من طاقة فذة، لكنه في الوقت ذاته، ترك الموهبة تنمو بريةً وصادقة، بعيدة عن القواعد، وقريبة جداً من نبض الشارع وهموم الناس.

2️⃣ الفصل الثاني: التواشيح الدينية والبدلة العسكرية 📿🎖️

مع نضوج موهبته وتصاعد الثقة بخامته الصوتية الفريدة، اتجه رضا مبارك نحو فضاءات الروح، حيث شارك في إحياء المناقب النبوية وحلقات الذكر الصوفية. هناك، وبشغفٍ فطري، بدأ يتعلم المقامات العراقية "سماعياً"، منقباً في أسرار الأنغام والأنواع الموسيقية والأطوار الريفية التي تلامس الوجدان. ولم يكتفِ رضا بكونه "مؤدياً" يمتلك صوتاً شجياً فحسب، بل تميز بقدرة مذهلة على محاكاة عمالقة الغناء في حركاتهم وتفاصيل أدائهم، مما أضفى مسحة من البهجة والمرح على كل مجلس يحضره، محولاً الغناء إلى عرض مسرحي متكامل يأسر القلوب والأسماع.

وعندما حان وقت الخدمة العسكرية، كانت "الوشاية" الطيبة من زملائه الجنود نافذةً جديدة لمستقبله؛ إذ لفتوا أنظار آمريهم إلى جمال صوته، ليجد نفسه منقولاً إلى وحدة التوجيه السياسي. هناك، حظي رضا باحترامٍ بالغ من مرؤوسيه الذين قدروا فنه، فصار ركناً أساسياً في المهرجانات العسكرية الكبرى، ومساهماً دائماً في النشاطات الفنية التي تقام في مدينته الحبيبة خانقين. لقد كانت تلك المرحلة بمثابة الجسر الذي عبر منه رضا من حدود الموهبة الفطرية إلى فضاءات الاحتراف، ممزوجاً بتقدير اجتماعي ورسمي لم يزد المبدع إلا تواضعاً ونبلاً.

3️⃣ الفصل الثالث: حين هزم "الرغيف" بريق الأضواء في بغداد 🥖🎭

في تسعينيات الحصار المريرة، شدَّ رضا مبارك الرحال صوب العاصمة بغداد، ليعمل "خبازاً" مع ابن مدينته حمزة، بحثاً عن لقمة العيش. هناك، وفي لحظةٍ فارقة، قادته الصدفة لاختبار "كومبارس" في مسرحية، لكن المخرج صُعق بموهبته قائلاً: "أنت لست كومبارس، أنت ممثل جاهز!"؛ فأسند إليه دوراً في مسرحية (فندق بغداد) على مسارح شارع الرشيد، ليقف نداً لعمالقة مثل محمد حسين عبد الرحيم وأمل طه.

لقد ذهبت فرصة العمر لرضا؛ فرصةٌ لم تتوفر لأقرانه، حتى إن العملاق محمد حسين قال له: "أنت تملك خامةً تمثيلية وصوتية يفتقدها الكثيرون"، مستشهداً بجاسم شرف الذي شق طريقه من عازف أكورديون إلى النجومية. لكن، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن؛ إذ اكتشف رضا أن أجره كخباز يفوق ما يتقاضاه من المسرح بكثير، فأجبره ضنك الغربة على الانفصال عن خشبة الأحلام. 

وعندما عاتبته الفنانة الراحلة أمل طه بمرارة: "حرامات.. أنت ممثل واعد ولك مستقبل كبير"، أجابها بوجع المغترب: "يا ست، المخبز أجره أعلى وأهلي ينتظرون". هكذا، وللمرة الثانية، أدار القدر ظهره لرضا، أو لعله هو من اختار "خبز" الأهل على "وهم" النجومية، تاركاً وراءه مستقبلاً كان كفيلاً بأن يضعه في مصاف الأساطير.

4️⃣ الفصل الرابع: شهادة الكبار.. حين انحنى "صوت الأرض" لموهبته 🎤🌟

لم تكن موهبة رضا مبارك حبيسة الجدران، بل وصلت أصداؤها إلى مسامع أساطين الطرب في العراق. ولعل اللقاء التاريخي الذي جمعه بالراحل الكبير رياض أحمد يختصر الكثير من الحكاية؛ فحين رآه رضا لأول مرة، حياه بودٍّ قائلاً: "أهلاً أستاذ رضا"، فذهل رياض متسائلاً: "من أين تعرف اسمي الحقيقي؟". ومن تلك المفارقة العفوية، وُلدت صداقة فنية عميقة، أبدى فيها "صوت الأرض" إعجابه الشديد بإمكانيات رضا الأدائية، حتى قال له بإنصاف المبدعين: "والله عُرَبُك (انتقالاتك الصوتية) أحسن مني!".

ولم تقف الاعترافات عند هذا الحد، بل توطدت علاقاته مع عمالقة مثل محمود أنور ورعد الناصري، وكبار مطربي الريف الذين أدركوا مبكراً أن رضا ليس مجرد مؤدٍ عابر، بل هو طاقة فنية تمتلك أسرار "البستات" والمقامات والقدرة المذهلة على تطويع الصوت. لقد كان رضا مبارك في نظر هؤلاء النجوم زميلاً يمتلك أدوات المحترفين، ورغم أنه لم ينل بريق شهرتهم في الأوساط الإعلامية، إلا أنه نال ما هو أثمن؛ اعترافاً صريحاً من قادة الفن العراقي بأن موهبته تضاهي الكبار وتتفوق في مفاصل إبداعية كثيرة.

5️⃣ الفصل الخامس: حين أذهل "أبو رسول" النجم إياد راضي 📽️😂

في رحلةٍ جوية نظمها اتحاد فناني كردستان صوب "ثغر العراق" البصرة، حطَّ رضا مبارك رحاله ليمثل مدينته في مهرجانها الفني الكبير. هناك، وفي كواليس المهرجان، التقى بنخبة نجوم العراق، وكان اللقاء الأبرز مع النجم إياد راضي. وبخفة ظله الفطرية، استطاع رضا أن ينتزع ضحكات "أيقونة الكوميديا العراقية" حتى سقط إياد أرضاً من شدة الضحك؛ وهي مفارقة نادرة، إذ من الصعب جداً إضحاك ممثل محترف بهذا العمق. حينها، قال إياد راضي بذهول وانصاف: "موهبتك الكوميدية ربانية فطرية.. أين كنت متوارياً عن الأضواء؟".

لكن الحظ العاثر كان بالمرصاد مرة أخرى؛ إذ جاءت سنوات ما بعد 2003 عجافاً، حيث هجرت الدراما العراقية البلاد نحو الخارج، فاقتصرت أعمال رضا على التلفزيون المحلي في خانقين. ورغم ضيق المساحة، ترك رضا بصمته من خلال برامج "الكاميرا الخفية" المتوفرة اليوم على "يوتيوب" باللغة الكردية، والتي تبرز قدرته الفائقة على الارتجال الكوميدي. لقد ظل رضا مبارك بحراً من الإبداع المسجون في حدود الجغرافيا، فنانًا شاملاً كان يستحق أن تتصدر صورته شاشات العاصمة، لا أن تبقى حبيسة الأرشيف المحلي.

6️⃣ الفصل السادس: "أخلاق الملوك" ونبل الصعلوك الضاحك 🤝❤️

لم تكن منصات الأعراس والمناسبات لـ رضا مبارك مجرد مساحة لاستعراض حنجرته الشجية، بل كانت "ميدان شرف" يمارس فيه أرقى قيم النبل الإنساني. فعلى خلاف السائد في الوسط الفني، حيث يستأثر "النجم" بنصيب الأسد، كان رضا يجسد دور القائد العادل؛ فبمجرد انتهاء الحفل، كان يرفض مبدأ المفاضلة ويقوم بتقسيم الأرباح بالتساوي بينه وبين أبسط موسيقي في فرقته، مؤمناً بأن "الرزق الحلال" هو ما طابت به نفوس الجميع.

والأكثر دهشة في مسيرة "أبو رسول"، هو ذاك الوفاء النادر لزملائه؛ فكان حين يعلم بمرض عازف أو غياب زميل عن العمل بسبب ظرفٍ قاهر، لا يكتفي بالسؤال، بل يطرق باب بيته ليضع في يده "حصته كاملة" من أرباح حفل لم يحضره، قائلاً بابتسامته المعهودة: "هذا رزقك يا أخي.. تدبّر به شؤونك". إنها روح الفنان الذي لم تُفسده الأضواء ولم يكسره العوز، فظل يوزع حصص الفرح والكرامة على من حوله بقلبِ ملك، بينما يعيش هو مأساة "الباجلياشو" الذي يمنح الناس كل شيء، ولا يطلب لنفسه سوى القليل من التثمين والوفاء.

📍 الخاتمة: نداء الوفاء.. "أبو رسول" أمانة في أعناقنا

إن مسيرة المبدع رضا مبارك ليست مجرد سيرة فنان تعثرت خطواته بين الرغيف والأضواء، بل هي مرآة لجيل كامل من الموهوبين الذين طواهم النسيان في زحام الأزمات. إننا اليوم، ومن منبر مجلة شهربان الإلكترونية، نرفع هذه الورقة كشهادة استحقاق، ونوجه نداءً عاجلاً إلى نقابة الفنانين في ديالى بضرورة إنصاف هذا الرمز وفتح أبواب الانتساب له تكريماً لتاريخه الذي لم ينقطع.

كما نضع هذا الملف أمام أنظار السادة المسؤولين في المحافظة والجهات الثقافية، للمطالبة بدعم وتكريم هذا الفنان الذي ظلمته الجغرافيا وغبنه الحظ، ولم يبع كرامته يوماً لأجل الشهرة. إن تكريم رضا مبارك هو تكريم لمدينة خانقين وللفن الإنساني النبيل. وختاماً، نرسل تحية إجلال وتقدير لهذا "الباجلياشو" العراقي الصابر؛ فناننا الشامل الذي ضحى بالنجومية لأجل أهله، وبقي شامخاً بوفائه ونقائه. (نسخة من هذا المقال مهداة إلى نقابة فنانين ديالى.. لعل الضمير الفني يتحرك لإنصاف أهله).

توصية كادر المجلة للقراء الأعزاء:

ندعوكم في مجلة شهربان الإلكترونية لمشاركة هذه القصة الإنسانية المؤثرة، ليس فقط لأنها توثق حياة فنان مبدع من مدينتنا خانقين، بل لأنها انتصار للقيم النبيلة والوفاء الذي قلّ نظيره. إن قراءة مسيرة الفنان رضا مبارك هي رحلة في أعماق النفس البشرية التي تبتسم للأخرين رغم أوجاعها. شاركونا بآرائكم وذكرياتكم مع "أبو رسول" لتصل رسالتنا إلى أصحاب القرار ونساهم معاً في إنصاف هذا المبدع.

google-playkhamsatmostaqltradent