الوحش الكاسر.. هل يقتل "الامتحان" مستقبل أطفالنا؟
بقلم: خوام الزرفي
مقدمة: معركة قاعة الامتحان وهاجس العوائل
يقول الإمام علي (ع): "العلم مميت الجهل"، لكننا في واقعنا التعليمي المعاصر، حولنا العلم إلى ساحة حرب نفسية لا ترحم. لدرجة أن القائد الفرنسي "نابليون" قال يوماً: "أخوض ساحة معركة ولا أدخل قاعة امتحان".
![]() |
| الوحش الكاسر.. هل يقتل "الامتحان" مستقبل أطفالنا؟ |
هذا الهاجس الذي تعيشه كل أسرة عراقية اليوم تحول من وسيلة للتقييم إلى "وحش" يجثم على الصدور. فقبل أيام، طالعنا خبراً مفجعاً في إحدى الفضائيات عن أب يصفع ابنته ذات التسع سنوات حتى الموت بسبب رسوبها! هل هناك قسوة أشد من هذه؟ وهل تستحق ورقة الامتحان إزهاق روح بريئة؟ إن الحكمة كما يقول "سقراط" لا تأتي إلا عندما تعرف مقدار جهلك، ونحن اليوم نجهل تماماً كيف نتعامل مع أطفالنا تربوياً.
مقارنة ميدانية: كيف تجاوز العالم "معضلة الامتحان"؟
خلال أكثر من نصف قرن من متابعتي للنظريات التربوية وطرائق التدريس، واطلاعي الميداني على نظم المدارس في أوروبا، وجدت أننا لا نزال نراوح مكاننا بينما العالم يتطور. إليكم الفوارق الجوهرية:
-
غياب الامتحانات المبكرة: في الدول المتقدمة، لا يخضع الطفل لأي امتحان رسمي حتى سن الـ 15 عاماً (مرحلة الـ O-Level)، ثم بعدها بسنتين مرحلة (A-Level) المؤهلة للجامعة.
-
القبول على أساس العمر: التعليم مستقر والقبول تلقائي؛ فمن بلغ العاشرة مكانه الصف الخامس، والـ 12 في الأول المتوسط، دون تعقيدات "شهادات النقل" التي ترهق المواطن.
-
اليوم الدراسي المتكامل: الدوام يمتد من 9 صباحاً حتى 4 عصراً، حيث يتم إنجاز الواجب البيتي داخل المدرسة، ليعود الطفل إلى بيته خالياً من ضغوط الدراسة والواجبات المرهقة.
واقع التعليم في العراق: تجارب بلا دراسة
في بلدي، لدينا جهابذة في علم النفس وطرائق التدريس، لكن النظام الامتحاني لا يزال "محلك سر". كل ما استجد هو قرارات إدارية متخبطة؛ رفع البكالوريا ثم إرجاعها، اعتماد الفرع التطبيقي ثم إلغاؤه.. تجارب تفتقر لدراسة الواقع المرير الذي أرهقته قوانين عمرها قرن من الزمان!
نزيف الأموال والوقت تحت مسمى "الامتحان"
الامتحانات الحالية تتسبب في هدر مرعب على مستويين:
-
هدر مادي: مبالغ طائلة تُصرف على طبع الأسئلة، وأجور النقل، والمراقبين، واللوازم التي كان الأولى بها أن توظف لبناء مدارس ومختبرات وساحات رياضية تليق بأطفالنا.
-
هدر زمن الدراسة: يضيع أكثر من شهر ونصف سنوياً (بين امتحانات نصف السنة، ومايس، والدور الثاني في أيلول، بخلاف الامتحانات الشهرية والشفوية). هذا الوقت المهدر لو استثمر في "الدراسة" والتعليم الفعلي لقفزنا بالواقع العلمي خطوات للأمام.
بدائل تربوية لتقليل الضغط النفسي
لماذا نرهق طفلاً بعمر 6 أو 7 سنوات بامتحان تحريري، والمعلم الذي يرافقه طيلة 7 أشهر يعرف مستواه أكثر مما يعرفه أبوه؟ أقترح هنا حلولاً عاجلة:
-
الإلغاء التدريجي: نبدأ سنوياً بإلغاء امتحانات الصفوف الابتدائية صعوداً، وحصرها فقط في السادس الابتدائي.
-
التقويم البديل: البحث عن مجالات تقويم تعتمد على السلوك والمشاركة والنشاط الصفي بدلاً من الرعب التحريري.
-
التربية الخلقية أولاً: في دول شرق آسيا، يركزون في السنوات الأولى على "الصدق، الأمانة، التعاون" قبل القراءة والكتابة. وكما قال سقراط: "التربية الخلقية أهم للإنسان من خبزه وثوبه".
خاتمة: متى تنتهي مهانة الامتحان؟
العالم أصبح قرية صغيرة، وكل نظريات التطور تحت أيدينا، فهل نجد من يقدم مقترحاً بسيطاً للجم تداعيات هذا "الوحش الكاسر" وتقليل ضرره على العوائل العراقية المبتلاة؟ يقول الدكتور مصطفى محمود: "لا تكون متديناً إلا بالعلم، الله لا يُعبد بالجهل". نحن بحاجة لثورة في وزارة التربية تنتبه لبناة الغد وتضع حداً لمقولة "في الامتحان يُكرم المرء أو يُهان"، ليكون الإكرام نصيب كل عراقي بعيداً عن المهانة والضغط النفسي.رمضان كريم لكل من قرا واعطى راءيا
