الميكافيلية.. مخدة خشنة والتعيين يبرر الرشوة!
بقلم: خوام الزرفي.
مقدمة: هل أصبحت "الغاية تبرر الوسيلة" دستوراً للواقع؟
لم يحظَ كتاب في تاريخ الفكر السياسي بما حظي به كتاب (الأمير) للمؤلف الإيطالي "نيكولا ميكافيلي" (1469-1527). هذا الرجل الذي قرأ التاريخ بعين باردة، وضع دليلاً لمن يحبون التسلط على الشعوب بكل الطرق الملتوية. يُقال إن هذا الكتاب كان يوضع تحت "مخدة" كل سلطان، ليغترف منه خلاصته الشهيرة: "الغاية تبرر الوسيلة".
|
| الميكافيلية.. مخدة خشنة والتعيين يبرر الرشوة! |
في واقعنا المعاصر، وتحديداً في العراق والوطن العربي بعد عام 2003، تحولت الميكافيلية من نظرية سياسية إلى "مخدة خشنة" ينام عليها أصحاب القرار والمصالح، مما أدى إلى شرعنة سلوكيات هادمة للمجتمع، وعلى رأسها آفة الرشوة تحت ذريعة التعيين والحصول على لقمة العيش.
الميكافيلية: الانفصال عن الأخلاق والتحلي بصفات "الثعلب"
ذكر ميكافيلي أن السياسة ليس لها علاقة بالأخلاق، وهو ما نلمسه اليوم واقعاً مريراً. يدعو المنهج الميكافيلي إلى التعامل بواقعية فجة مع الظروف، حيث يجب على المسؤول أو الطامح للسلطة أن يتحلى بصفات الأسد (القوة والبطش) وصفات الثعلب (المكر والدهاء).
هذه الشخصية الميكافيلية هي "شخصية خطرة" في المجتمع؛ لديها قدرة هائلة على الإقناع القسري أو المكر للوصول إلى الهيمنة، دون وازع ديني أو قيمي. لقد زرع ميكافيلي منذ أكثر من 500 عام أسساً غير أخلاقية، هدفها الوحيد هو تعليم الحكام كيفية المحافظة على سلطانهم، ولو كان الثمن هو الكذب والغش.
الرشوة: الآفة التي تقتل الحق وتشرعن الباطل
الرشوة هي العامل الأول في هدم المجتمعات وقتل الحقوق. لقد حذرنا الرسول الكريم (ص) بقوله: "الراشي والمرتشي في النار". والرشوة في جوهرها هي "إبطال حق وإحقاق باطل"، وهي من الكبائر والسحت المحرم شرعاً وقانوناً.
مسميات خادعة لواقع وقح
تتخفى الرشوة اليوم خلف مسميات "مؤدبة" لتخفيف وطأة الجريمة، فتارة تسمى:
-
مكافأة أو إكرامية.
-
بدل تعب أو "شاي".
-
هدية لتمشية الأمور.
ولكن في الآونة الأخيرة، تحول الأمر إلى شكل سافر ووقح؛ فبدلاً من الكناية، أصبح الطلب مباشراً: "أريد 50 ورقة" أو "دفتر" (في إشارة للمبالغ المالية بالدولار)، دون خجل من الله أو حياء من الناس.
التعيين مقابل الرشوة: اغتيال الكفاءات ومستقبل الأجيال
تؤدي الرشوة في ملف التعيينات والوظائف إلى فساد هيكلي، حيث يتم تفضيل "الأدنى" على "صاحب الكفاءة"، وتقديم "الخامل" على "أصحاب الشهادات".
من يؤمن بالله واليوم الآخر يعلم أن هذا إثم عظيم، فالحصول على وظيفة عبر دفع المال ليس "شطارة" أو "حلالاً" كما يروج البعض، بل هو استيلاء على حصة شخص آخر أحق وأكفأ، وقطع لقمة عيش عن بطون جائعة. وكما يقال: "قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق". إنها عملية قتل دائم لآمال الشباب وطموحاتهم.
الرشوة في المنظور الديني والقرآني
لقد ذكر الله سبحانه وتعالى الرشوة والفساد في مواضع عدة للتحذير منها:
-
في قصة بلقيس: قال تعالى: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ رَجِعُ الْمُرْسَلُونَ}، حيث حاولت اختبار سليمان (ع) بما يشبه الرشوة السياسية لثنيه عن دعوته.
-
النهي عن أكل الأموال بالباطل: قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}.
الرشوة تجلب غضب الله، وهي تأكل حقوق الضعفاء والمظلومين، وتحول المجتمع إلى غابة تنعدم فيها المساواة، رغم أن الأصل هو أن "الناس كأسنان المشط".
كم "ميكافيلي" يعيش بيننا اليوم؟
في العراق اليوم، نتساءل بمرارة: كم ميكافيلي يتربص بنا؟ وكم عدد تلاميذه الذين مات ضميرهم وابتعدوا عن جوهر الإيمان؟ المفارقة المؤلمة أن الكثير ممن يمارسون الرشوة ويخنقون الكفاءات هم ممن يمارسون الطقوس الدينية ظاهرياً؛ فاصبحت العبادة عندهم "عادة وليست عبادة"، لأنهم يظلمون أبناء جلدتهم ويرمون أصحاب القدرات في الطرقات والشوارع بلا إنتاج، بينما هم يملأون جيوبهم بالسحت.
كيف نقضي على "الروح الميكافيلية" في مؤسساتنا؟
إن القضاء على الرشوة وإخراج كتاب "الأمير" من تحت مخدة المسؤولين يتطلب خطوات حقيقية:
-
تحقيق العدالة الاجتماعية: وضع الرجل المناسب في المكان المناسب بناءً على الكفاءة والشهادة لا الولاء والمال.
-
تفعيل مبدأ الثواب والعقاب: أن لا ينجو الفاسد بفعلته لمجرد امتلاكه المال أو النفوذ.
-
دور الإعلام الهادف: تفعيل النقد البناء وكشف ملفات الفساد أمام الرأي العام.
-
إحياء الضمير: العودة إلى قيم الإيمان التي تحرم الظلم وتنتصر للمظلوم.
خاتمة: حلم العدالة المفقودة
متى نرفع كتاب "الأمير" من تحت المخدة؟ ومتى نرى حلماً جميلاً يتحقق بإعطاء كل ذي حق حقه؟ إن استمرار صراع "المعذبين في الأرض" ضد قوى الإقصاء وقتل القدرات لا يمكن أن يبقى أبدياً. لابد من يوم تنتهي فيه الميكافيلية الخشنة، وتعود فيه النزاهة لتكون هي المخدة الناعمة التي ينام عليها كل ذي ضمير حي.
