🇮🇷 إيران والعراق: شذوذ العلاقة لا خصوصيتها 🇮🇶
✍️ د. عماد صادق العزاوي
💬 في محاضرة في مادة العلاقات الدولية، سألني أحدهم: هل يمكن للعراق أن يكون صديقاً لأميركا يوماً ما (وكان علاقتنا باميركا حينها سيئة للغاية)؟ وكان السؤال، في ظاهره، سياسياً عابراً، لكنه في حقيقته يكشف خللاً شائعاً في فهم العلاقات بين الدول.
![]() |
| إيران والعراق: شذوذ العلاقة لا خصوصيتها. |
⚖️ فالدول لا تتصادق كما يفعل الأفراد، ولا تُبنى علاقاتها على المحبة وسلامة النيات، بل على المصالح، والأمن القومي، والسيادة، وتوازنات القوة. ولهذا توصف العلاقة بين دولتين بأنها تحالف أو تعاون أو تنافس أو صراع، لكنها، في كل الأحوال، تبقى محكومة بقواعد ومعاهدات ومؤسسات ومصالح متبادلة، لا بالأهازيج والعواطف.
🔍 ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو العلاقة بين العراق وإيران ظاهرة شاذة في العلاقات الدولية، لا لأنها علاقة جوار أو تأثير متبادل، فهذا أمر طبيعي، بل لأنها تحولت، في جانب كبير منها، من علاقة بين دولتين إلى علاقة بين دولة تعرف ما تريد، وسلطة لا تعرف من الدولة إلا اسمها.
💣 تداعيات عام 2003 والفراغ السياسي في العراق
💥 لقد أدى الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، بسوء إدارته الكارثي وتفكيكه مؤسسات الدولة العراقية من دون رؤية سياسية أو أمنية منطقية وعميقة، الى خلق فراغ كبير اتاح فرصة ذهبية لإيران كي تتوغل في الداخل العراقي وتتحول إلى اللاعب الخارجي الأكثر نفوذاً فيه.
📉 ولم يكن ذلك بعبقرية خارقة، بقدر ما كان ثمرة هذا الفراغ وانهيار الدولة، وطبقة سياسية نشأت بتأثير ايراني على الاغلب، وصعدت على ظهر الاحتلال وهي مدينة له في وجودها، ثم لإيران في بقائها.
🧭 مسارات النفوذ الإيراني في الداخل العراقي
وخلال سنوات ما بعد الاحتلال، ركزت إيران نفوذها في العراق على مسارات واضحة:
-
📌 أولاً (المسار السياسي والأمني): دعمت تشكيل الحكومات والتحالفات، وتسللت إلى مفاصل القرار السياسي، ووسعت تأثيرها داخل المؤسستين العسكرية والأمنية، بل دعمت أذرعاً مسلحة تدين لها بالولاء والانتماء وليس فقط التنسيق المجرد.
-
📌 ثانياً (المسار الاقتصادي): وعلى الصعيد الاقتصادي، حوّلت العراق إلى متنفس حيوي لاقتصادها، وسوقاً مفتوحة، وممراً لتخفيف وطأة العقوبات وتهريب العملة.
-
📌 ثالثاً (المسار الإعلامي والاجتماعي): إعلامياً واجتماعياً، فقد أحسنت استثمار الروابط المذهبية والزيارات والشبكات الحزبية لتكريس نفوذ يتجاوز الدولة إلى المجتمع نفسه.
🎭 ثم اكتمل المشهد حين صارت إيران، في حالات عديدة، ملاذاً آمناً لفاسدين ومتهمين ومطلوبين، فيما الدولة العراقية تتفرج على "علاقتها المميزة" وكأنها نشيد مدرسي لا ملف سيادة.
🧠 المفارقة بين عقلية الدولة وانفعال الطائفة
⚙️ المفارقة هنا ليست في سلوك إيران؛ فإيران، في النهاية، تتصرف كدولة تسعى وراء مصالحها، وتستخدم ما يتاح لها من أدوات، من المذهب إلى الاقتصاد إلى الأمن، لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. وهذه ليست تهمة، بل وصف بارد لسلوك الدول حين تفكر بعقل الدولة.
⚠️ أما الكارثة الحقيقية، فهي في الطرف العراقي، الذي لم ينجح في بناء علاقة متوازنة تحفظ مصلحة العراق، بل انزلق إلى نموذج مشوّه من التبعية المبررة المغلفة بالشعارات.
💡 فبينما استخدمت إيران البعد المذهبي بوصفه وسيلة نفوذ، تعاملت الطبقة الحاكمة في العراق معه بوصفه أساساً للعلاقة نفسها. وهنا يظهر الفرق بين دولة تستثمر الطائفة كورقة قوة، وطبقة تتعبد لها.
👁️ إيران نظرت إلى العراق بعين المصلحة القومية الإيرانية، أما كثير من ساسة العراق فنظروا إلى إيران بعين الانفعال المذهبي والعاطفة السياسية، حتى بدا بعضهم وكأنه يحب إيران أكثر مما تحب إيران نفسها. وهذه، بحد ذاتها، مهزلة سياسية؛ لأن الدولة ليست موضوع حب أصلاً، بل موضوع حساب.
💔 شعارات "الحب الأبدي" ومقتضيات السيادة الوطنية
📜 ومن أكثر الشعارات إثارة للشفقة في هذا السياق ذلك الشعار الساذج: "إيران والعراق لا فراق، وحب للأبد". وكأن العلاقات الدولية قصة زواج كاثوليكي لا طلاق فيه. هؤلاء لا يميزون بين علاقة شعبين، وعلاقة دولتين، ولا بين الوجدان الشخصي، ومقتضيات السيادة.
📑 فالعراق لا يُدار بقصائد الهيام، ولا تُصان مصالحه بالأعلام والصور الاجنبية المرفوعة في الشوارع، بل باتفاقيات واضحة، وسياسات محسوبة، ومؤسسات تعرف أين تبدأ المجاملة وأين تنتهي الإهانة الوطنية.
🤷♂️ الأشد سخرية أن هذه الطبقة المفتونة بإيران لم تتعلم حتى من إيران ما يستحق التعلم. لم تبنِ دولة قوية، ولا مؤسسات منضبطة، ولا إدارة حازمة، ولا طبقة حكم تضع مصلحة البلد فوق كل شيء. أخذت من التجربة الإيرانية ما يخدم الكسل السياسي والتبعية، وتركت ما فيها من مركزية قرار وانضباط دولة وإخلاص قومي لمصالحها العليا.
❌ أرادوا الولاء لإيران، لكنهم لم يريدوا أن يتعلموا منها كيف تُدار دولة. وهذه موهبة عراقية رسمية نادرة: استيراد الأسوأ دائماً، ثم الفشل حتى في تقليده.
❓ وقد سألت غير مرة بعض المتحمسين لإيران: لو أن طهران اعتمدت في العراق على طبقة حاكمة نزيهة وكفوءة ومخلصة، أما كان ذلك أفضل لها من رعاية هذا الحشد من الفاشلين والفاسدين؟ وكان الجواب، غالباً، صمتاً ثقيلاً. والجواب الحقيقي بسيط: الفاسد أسهل قيادة من الشريف، والفاشل أكثر طاعة من الكفوء، ومن باع بلده مرة يسهل أن يبيعه بالتقسيط.
🕸️ جوهر الخلل في العلاقات العراقية الإيرانية
📉 إن جوهر الخلل اليوم أن العلاقات العراقية الإيرانية، بهذا الحجم من التشابك الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، لا تُدار كما ينبغي أن تُدار بين دولتين سويتين:
-
🚫 فلا أطر واضحة تكافئ حجم هذا النفوذ، ولا اتفاقيات معلنة تنظم كل مفاصله الحساسة، ولا شفافية حقيقية تتيح للعراقيين أن يعرفوا أين تنتهي الصداقة المعلنة وأين يبدأ النفوذ المنفلت.
-
🌪️ ولهذا تبدو العلاقة شاذة: ليست تحالفاً معلناً بالمعنى الدقيق، ولا تعاوناً متكافئاً، ولا حتى تبعية معترفاً بها، بل منطقة رمادية واسعة يعيش فيها القرار العراقي نصف مستقل ونصف مستعار.
👥 تعدد الوفود العراقية: غياب الدولة الموحدة
🧩 ايران نفسها لا تتعامل مع الدولة العراقية ككيان ورأس واحد، بل قيم علاقات افقية وعمودية منفصلة مع الشخصيات السياسية والدينية والاحزاب والميليشيات. هذا يفسر المشهد الفاضح الذي رأيناه في مراسم تقديم التعازي بالمرشد خامنئي.
🏴 كل الدول تمثلت بوفد موحد واحد، الا العراق تمثل بوفد يمثل رئيس الحمهورية، وفد يمثل رئيس الوزراء، واخر لرئيس البرلمان، ووفد يمثل كل من مملكتي كردستان، ووفد يمثل الحشد الشعبي، في رسالة واضحة ان ليس هناك عراقا واحد، وان كل وفد يمثل نفسه في علاقته بايران.
🛡️ نحو إعادة تعريف العلاقة بمنطق الدولة وسيادتها
⏰ لقد آن الأوان لأن تُنزع عن هذه العلاقة أوهام العاطفة، ويُعاد تعريفها بمنطق الدولة لا بحرارة الشعار. نعم، من مصلحة العراق أن تكون له أفضل العلاقات مع إيران، بحكم الجوار والجغرافيا والتاريخ والمصالح.
🗺️ لكن من مصلحة العراق أيضاً، بل من واجبه، أن تكون هذه العلاقة مقننة، معلنة، متوازنة، محكومة باتفاقيات واضحة، وتحفظ سيادته وقراره الوطني ومصالحه العليا. فإيران ليست عدواً بالضرورة، لكن تحويلها إلى وصيّ غير معلن على العراق هو العداء بعينه لمفهوم الدولة العراقية، يؤسس لفوضى امنية في الداخل واضطرابات كبيره لعلاقات العراق ومصالحه في محيطه العربي والاقليمي..
🏁 وباختصار: المشكلة ليست في قرب العراق من إيران، بل في شكل هذا القرب. فحين تغيب الدولة وتحضر الطائفة، وتغيب المصلحة الوطنية وتحضر العاطفة، وتغيب الاتفاقيات وتحضر الشبكات، نكون أمام علاقة غير طبيعية بين دولتين.
👑 وهذا هو الشذوذ الحقيقي: أن تتصرف إيران كدولة، فيما يتصرف بعض حكام العراق كأنهم جمهور في مدرجات الولاء، لا أهل سلطة في دولة يفترض أنها ذات سيادة، وفصل الانتماء المذهبي والعاطفي الشخصي عن الانتماء الوطني الاشمل.
