⚽ بين مستطيل الأخضر وعمر العطاء: مازن الجنابي.. هندسة الإدارة والوفاء لرياضة شهربان
✍️ بقلم: مالك المهداوي
🏟️ المقدمة: فلسفة البقاء في الملاعب
في عالم الساحرة المستديرة، تُسلط الأضواء دوماً على اللاعبين؛ يركضون، يسجلون، وتصفق لهم المدرجات. لكن الحقيقة التي تغيب عن الكثيرين هي أن عمر اللاعب في الملاعب قصير، ينتهي بصفارة اعتزال أو تراجع في اللياقة. أما عمر "المدرب والإداري" فهو ممتد وعابر للأجيال، لأنه لا يعتمد على أقدام تركض، بل على عقل يُدبّر، ونفسٍ تُنظّم، وقلبٍ يحترق حباً باللعبة. ❤️
![]() |
| بين مستطيل الأخضر وعمر العطاء: مازن الجنابي.. هندسة الإدارة والوفاء لرياضة شهربان. |
ومن بين هؤلاء الذين وهبوا حياتهم للرياضة في مدينتنا الغالية "شهربان" (المقدادية)، يبرز اسم إنسان قدم الكثير ولم يبتغِ من الرياضة منصباً أو مكسباً مادياً، بل حصد أنبل ما يمكن أن يخرج به المرء: "الاسم الطيب، والذكر الحسن، والعلاقات الأخوية التي يُشار إليها بالبنان". إنه بطل حديثنا اليوم: الكابتن مازن خليل الجنابي. 🌟
🌊 الجذور.. من أزقة شهربان إلى شواطئ "شاختها"
في عام 1956، ولدت هذه الشخصية الرياضية الأصيلة في شهربان، وعُمِّد بماء "شاختها" الرقراق ليشرب من طيب أرضها وعنفوان ناسها. وبالتوازي مع عشقه للملاعب، بنى الكابتن مازن حياته المهنية والعملية؛ حيث كان يعمل موظفاً ملتزماً في دائرة ري المقدادية، وهو العمل الذي منحه انضباطاً كبيراً انعكس على مسيرته الرياضية. 💼
منذ نعومة أظفاره، نشأ الكابتن مازن مولعاً ومطوقاً بمستديرة الجلد، فكانت حارات المدينة وأزقتها العتيقة مسرحاً لأحلامه المبكرة. عاصر في صباه، وتحديداً في ستينيات القرن الماضي، التنافس التقليدي الشريف بين قطبين من أعرق فرق المدينة آنذاك، وهما فريقا (الزمالك والاتحاد). تلك الحقبة الذهبية انتهت لتطوي صفحة، وتبدأ أخرى مع ولادة فرق جديدة أثرت المشهد الرياضي داينمو الحرية والطليعة؛ حيث برز من تلك الأجواء تأسيس "فريق الرسالة " بعد حل في فريق الطليعة على يد الأستاذ صبار محمد سليم عام 1976. 📜
☕ مقهى "مانع" والامتداد الكروي
شُكِّل فريق الرسالة بذكاء ليجمع بين أصالة الماضي وحيوية الحاضر من خلال توليفة ضمت لاعبين من بقايا الفرق السابقة وجيلاً جديداً من الشباب، ومن بينهم الكابتن مازن. ولم يكن فريق الرسالة مجرد تشكيل رياضي في الملعب، بل كان له مقر دافئ يمثل رئة يتنفس منها في قلب المدينة؛ وهو "مقهى مانع" الشهير الواقع وسط السوق القديم، رابضاً على ضفة نهر الشاخة القديمة عند مدخل "سوق البزازين". 🏙️
في ذلك المقهى، كانت تولد الخطط وتُناقش المباريات، وحيث تزينت جدرانه بصور الفريق واللاعبين في منافسة شرسة وممتعة مع فرق كبرى كـ "الحرية" و"الثورة". 📸
🎓 المحنة تتحول إلى منحة: من قلب الدفاع إلى دورة 1978
في تلك المرحلة، كان الكابتن مازن الجنابي يمثل صخرة الأمان لفريق الرسالة، حيث لعب بمركز (قلب الدفاع) متميزاً بصلابته وقراءته للعب، إلى جانب كونه مساعداً وعضداً أيمن لمؤسس الفريق الأستاذ صبار محمد سليم. 🛡️
لكنّ رياح الملاعب باغتت الكابتن مازن بإصابة قوية أبعدته مجبراً عن الركض. ورغم مرارة الإصابة، إلا أنه أبى أن يغادر الساحات، فدخل دورة تدريبية تخصصية أقامها الاتحاد العراقي لكرة القدم، وكان المحاضر فيها الخبير اليوغسلافي الراحل "كاكا" (مدرب منتخب شباب العراق الفائز بكأس آسيا في إيران عام 1976). واجتاز الجنابي تلك الدورة بنجاح باهر عام 1978، ليدشن رحلته التدريبية بوعي أكاديمي وفهم تكتيكي عميق. 📑
وبعد رحيل الأستاذ صبار محمد سليم إلى جوار ربه، تسلّم الكابتن مازن قيادة وتدريب الفريق، لتنطلق موهبته الفذة في عالم القيادة. وبقوة العزيمة استمرت المسيرة رغم ظروف الحرب العراقية الإيرانية الثقيلة في ثمانينيات القرن الماضي، والتي فُجع فيها الفريق بفقدان حامي هدفه الموهوب والواعد "زاهد بجاي" رحمه الله. 🧤
✈️ سفير العيار الثقيل: عشق "العريق" وجسر التواصل مع عمالقة الوطن
لم يقتصر حضور الكابتن مازن الجنابي على النطاق المحلي، بل كان نبضه معلقاً بعشق نادي القوة الجوية العريق؛ حيث كان مشجعاً جوياً بشوق لا ينطفئ، وعضواً فاعلاً في الهيئة الإدارية لرابطة مشجعي الصقور. 🦅 هذا الشغف الكروي فتح له أبواباً متينة من الصداقات الشخصية المتجذرة مع قامات تاريخية ستبقى محفورة في تاريخ الكرة العراقية؛ فكان صديقاً مقرباً للراحل الكابتن ناظم شاكر (أبو غزالة)، والراحل ناطق هاشم، والكابتن محمود شاكر، كما جمعته وشائج الأخوة مع الأساطير دوكلاص عزيز ويونس عبد علي، وغيرهم من نجوم المنتخبات الوطنية. 🇮🇶
ولأن طموحه لمدينته المقدادية لا يحده حد، فقد استثمر أبو خليل هذا الرصيد الهائل من العلاقات الشخصية والجهود الفردية ليحقق قفزة نوعية؛ حيث نجح في استقدام فريق نادي القوة الجوية بكامل نجومه للعب على ملاعب المقدادية في أربع مناسبات تاريخية، بالإضافة إلى استقدام فريقي الشرطة والصناعة في مباريات ودية كرنفالية. 🎉
لم تكن تلك المباريات مجرد نزهة، بل خطة مدروسة من الكابتن مازن لتطوير مستويات لاعبي المقدادية من خلال الاحتكاك المباشر، وإتاحة فرصة لا تُنسى لجمهور شهربان الرياضي ليمتع ناظريه بمشاهدة أبطال العراق وجهاً لوجه على أرض مدينتهم. وحتى يومنا هذا، لا يزال حبل الود متصلاً، حيث يحرص نجوم الكرة العراقية الأحياء منهم على التواصل الدائم والسؤال عن الكابتن مازن، في لمحة وفاء تليق بمكانته لديهم. 🤝
🏆 رحلة الإنجازات والتأهيل المستمر: نادي المقدادية وبطولة 1988
قاد الجنابي لاعبي النادي، وجُلّهم كانوا من أعمدة فريق الرسالة مطعماً بنخبة من لاعبي الفرق المحلية الأخرى، وصنع منهم توليفة مرعبة قادتهم إلى منصة التتويج الكبرى، حينما أحرز معهم بطولة محافظة ديالى الرسمية لعام 1988، في إنجاز تاريخي لا يزال مدوناً بمداد من ذهب في سجلات رياضة المحافظة. 🥇
وفاءً لهذه القدرات الإدارية العالية، تم انتدابه في تسعينيات القرن الماضي من قبل مركز اتحاد شباب العراق فرع المقدادية ليقود "اللجنة الرياضية وفريق كرة القدم" لمدة أربع سنوات حافلة، وهي الحقبة التي عزز فيها رصيده العلمي باجتياز دورة تدريبية هامة عام 1980. لم يكن عمله في اللجنة عشوائياً، بل امتداداً للتنظيم الأكاديمي، حيث حصد لفريق الرسالة تحت إشرافه (8) بطولات رسمية على مستوى قضاء المقدادية، وهي بطولات موثقة ومقرة رسمياً أثبتت هيمنة هذا الفكر التدريبي. 🎗️
⏱️ العهد الأخير مع البطل الآسيوي واعتزال الملاعب
مع مطلع الألفية الجديدة، وتحديداً في الفترة الممتدة من عام 2007 ولغاية 2016، تولى الكابتن مازن الجنابي مسؤولية فنية وإدارية حساسة داخل بيته الأول؛ حيث كان مسؤولاً عن فرق الفئات العمرية والفريق الأول لنادي المقدادية، وذلك خلال الحقبة المتميزة التي ترأس فيها النادي البطل الآسيوي المعروف الكابتن محمود غايب. ولم يتوقف الكابتن مازن عن تطوير أدواته حتى في هذه المرحلة المتأخرة، حيث صقل خبرته الطويلة بدورتين تدريبيتين رسميتين متعاقبتين في عامي 2010 و2011. 📋
شكل هذا الثنائي حالة رياضية فريدة في بناء أجيال كروية للمدينة، حتى حانت لحظة الترجل؛ ففي عام 2016 أعلن الكابتن مازن اعتزاله العمل الرياضي بعد مسيرة حافلة بالعطاء امتدت لأكثر من أربعة عقود. 🏁
🏅 الرصيد الحقيقي والخاتمة:
إذا سألت اليوم عن المكاسب التي خرج بها مازن خليل الجنابي من رحلته الطويلة، فلن تجد عقارات أو أرصدة، بل ستجد رصيداً أثمن وأبقى: علاقات إنسانية راسخة واحتراماً يملأ القلوب والاسم الذي يُشار إليه بالبنان. ✨
إن توثيق مسيرة هذا الرمز الشهرباني الأصيل هو واجب الوفاء الذي تستحقه مدينتنا. ستبقى بصمته الإدارية والتدريبية ومناصب الإنجاز التي تقلدها شاهداً على أن الرياضة تُبنى بحسن الإدارة والتنظيم قبل كل شيء. تحية اعتزاز بهذا الرجل الذي خدم وطنه ومدينته موظفاً في دائرته، وقائداً ملهماً في ملاعبه، وسفيراً نقل نجوم العراق إلى قلوب عشاق الرياضة في شهربان. 🙌
