recent
أخبار ساخنة

الانتهازية السياسية في ميزان التاريخ: حين تسقط المبادئ وتضيع الأوطان

Site Administration
الصفحة الرئيسية

الانتهازية السياسية في ميزان التاريخ: حين تسقط المبادئ وتضيع الأوطان

بقلم: خوام الزرفي.

في أوقات المحن والمنعطفات التاريخية الكبرى، تتمايز الصفات وتنكشف المعادن؛ فبينما يرى البعض في الثبات على المبادئ قدراً لا يمكن المساومة عليه، يجد آخرون في الانتهازية السياسية وسيلة للصعود على حساب آلام الأوطان. 

الانتهازية السياسية في ميزان التاريخ: حين تسقط المبادئ وتضيع الأوطان
الانتهازية السياسية في ميزان التاريخ: حين تسقط المبادئ وتضيع الأوطان.

إن تاريخنا الإنساني والعربي يزخر بنماذج مشرقة لرجال ونساء جعلوا من "الكلمة" شرفاً وموقفاً، في مقابل ظواهر معاصرة تجسد أبشع صور التنصل من الهوية والمبدأ من أجل المنافع والمناصب.

شرف الموقف: "الكلمة" بين البناء الدرامي والعمق العقائدي 

تتجلى عظمة المواقف الصارمة في اللحظات المصيرية. نذكر هنا ما صاغه الأديب عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحيته الخالدة "الحسين ثائراً"، مرسخاً مفهوم الكلمة والشرف على لسان الإمام الحسين (ع) في حواره مع الوليد، حيث قال:

"الكلمة نور.. وبعض الكلمات قبور. إن الكلمة مسؤولية، إن الرجل هو الكلمة، شرف الرجل هو الكلمة".

هذا الثبات نلمحه في وجدان الأمهات الصابرات؛ كتلك الأم التي خافت على ابنها المقاوم من الانهيار أمام المحتل، فقالت بلهجتها الفطرية: "بس لا يتعذر موش أنا" (أرجو ألا تنكر موقفك وتتراجع)، فجاءها رد الابن مزلزلاً: "خلوني بحلكه وكلت أنا" (لو وضعوني في فوهة المدفع لصرخت بأنني من هاجمكم دفاعاً عن وطني).

وفي التاريخ الإسلامي، نجد الصدى ذاته في ثبات الصحابية أسماء بنت أبي بكر حين حوصر ابنها عبد الله بن الزبير في مكة، فقالت له مقولتها الخالدة التي غدت مَثلاً: "إن الشاة لا يضرها سلخها بعد ذبحها"، فمضى يقاتل على ما يؤمن به حتى قُتل. ولم يكن التابعي سعيد بن جبير أقل ثباتاً وهو يواجه حتفاً مأساوياً على يد الحجاج بن يوسف الثقفي دون أن يتزحزح عن قناعته قيد أنملة.

محطات من تاريخ العراق السياسي المعاصر: جيل العزيمة 

إذا التفتنا إلى تاريخ العراق السياسي المعاصر، نجد أن التمسك بالمبدأ كان سمة تميز قادة الفكر والسياسة على اختلاف مشاربهم. ففي العهد الملكي، وقف مؤسس الحزب الشيوعي العراقي "فهد" على أعواد المشنقة كالأسر الحصور، مخلداً كلمته: "إن مات فهد فسوف يولد ألف فهد". ورغم أن تلك الحقبة لم تشهد إعدامات سياسية واسعة (حيث لم تتجاوز بضع عشرات)، إلا أن الموقف ظل راسخاً في ذاكرة الأجيال.

وفي منتصف الخمسينيات، وفي مشهد حي من سجن بعقوبة، تقدم شاب نُفذ فيه حكم الإعدام لإقدامه على أخذ ثأر أبيه، فاستقبل المنية بجنان ثابت، واستقبلته أمه بهلاهل وهوسات شعبية فخورة قائلة: "عفية ابني الي ما راط افاده"، في دلالة على الشجاعة وثبات القلب الفطري.

ولم تقف المبادئ عند حد الشعارات؛ بل كانت متجذرة في الوعي الجمعي والتربوي. نذكر هنا أستاذ اللغة العربية الفاضل في المرحلة المتوسطة (صبحي حمه جان) -رحمه الله- الذي دأب في الامتحانات على تكرار موضوع الإنشاء القائم على بيت الشعر الشهير:

لقد كان الهدف التربوي أعمق من مجرد اختبار؛ كان محاولة لغرس مفهوم الحسم والثبات في عقول الفتية.

حتى في لحظات الصراع الأيديولوجي المحموم بعد عام 1958 بين التيارين القومي واليساري، كان الالتزام بالكلمة مقدساً؛ حيث يروى أن فلاحاً رفض الانضمام لتيار سياسي لمجرد أنه أعطى كلمة عهد لتيار آخر، رابطاً موقفه بقناعاته الفطرية.

شعر المقاومة والتنديد بالبراءة 

بعد أحداث عام 1963، وتعرّض القوى السياسية المعارضة لأقسى أنواع التنكيل، سُطرت ملاحم في رفض الانصياع. وقد جسد الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب في قصيدة البراءة هذا الرفض القاطع للمساومة على الشرف السياسي، حيث قال بنبرته الهادرة:

يابني الجلب يرضع من حليبي.. ولا ابن يشمرلي خبزه من البراءه يابني ياكلني الجرب عظم ولحم.. وتموت عيني ولا الدناءه يابني البراءه تبقى مدى الايام عفنه.. يابني بكل براءه كل شهيد من الشعب ينعاد دفنه!

الانتهازية السياسية وأزمة الحكم المعاصر: تغيير الجذور والولاءات 

بعد هذه النماذج المشرقة من الثبات على القناعات والمبادئ التي لا تُباع ولا تُشترى كسلع، نأتي إلى مقاربة الواقع المرير. إن القناعات الحقيقية لا يغيرها الزمن، وكما تقول الحكمة: "إذا فشلت غيّر أساليبك وليس مبادئك؛ فالأشجار تغير أوراقها وليس جذورها".

لكن المشهد السياسي بعد عام 2003 حمل نمطاً مغايراً تماماً، حيث تصدرت الواجهة فئات تفتقر إلى الإيمان الحقيقي بقضية الوطن. تحول المشهد إلى ساحة تنقل فيها بعض "مزدوجي الجنسية" والمصلحيين من أقصى اليمين القومي إلى أقصى اليسار الماركسي، ثم إلى العباءة الإسلامية، بل والانتقال السريع بين الأحزاب والتكتلات الانتخابية لتحقيق مآرب شخصية.

إن غياب الاستقرار الفكري والوطني قاد إلى تداعيات خطيرة، منها:

  1. تهريب الأموال والثروات: تحولت عواصم ومدن عالمية مثل لندن ودبي وبيروت إلى مستقر للأموال العراقية المهربة، نتيجة غياب الشعور بالمواطنة والولاء الحقيقي للبلد الذي يمنح الهوية.

  2. تدمير البنى التحتية وغرق البلاد في الديون: غاب التخطيط الاستراتيجي المستدام، مما تسبب في رهن ثروة البلاد النفطية ووضع الأجيال القادمة أمام مصير مجهول.

  3. الصراع المحموم على المكتسبات الخاصة: تصفية الحسابات السياسية لم تكن يوماً من أجل قضايا سامية، بل كانت على الدوام صراعاً حول المغانم والدرجات الخاصة.

خاتمة المقال:

يقول الإمام علي بن أبي طالب (ع): "قدر الرجل على قدر همته"، وحين تكون همة المتصدر للمشهد هي النهب والفساد والمصلحة الضيقة، فلا يمكن للشعوب أن ترجو خيراً أو استقراراً.

إن من يغير مبادئه وقناعاته تبعاً للمصلحة يشبه الأفعى التي تنزع جلدها، أو الحرباء التي تتلون مع البيئة؛ لا يمكن الوثوق به. في قاموس السياسة قديماً كان يُسمى هذا السلوك بالانتهازية، واليوم يطلق عليه الشارع العراقي بمصطلحاته الشعبية العفوية لفظ "اللواكة" (النفاق الاجتماعي). فلا قرت أعين الانتهازيين الذين سلبوا حقوق المواطنين، وتباً لكل من جعل من وطنه وسيلة لإملاء جيوبه وولائه لغير أرضه.

بقلم: خوام الزرفي

google-playkhamsatmostaqltradent