recent
أخبار ساخنة

سيرة اللواء الطبيب مظفر زبير: مؤسس الطب النفسي العسكري

Writer Malik Al-Mahdawi
الصفحة الرئيسية

سيرة اللواء الطبيب مظفر زبير: مؤسس الطب النفسي العسكري

بقلم: مالك المهداوي.

تُعد سيرة اللواء الطبيب مظفر زبير القاسم الحساني واحدة من أبهى السير الوطنية التي وثقت تاريخ الطب النفسي والعصبي في العراق، ورسخت مفاهيم الطبابة العسكرية الحديثة. لقد استحق عن جدارة لقب "شيخ الأطباء النفسيين" بعد رحلة علمية وعصامية حافلة، بدأت من أزقة مدينة شهربان (المقدادية)، وتوّجت بنيل زمالة الكلية الملكية البريطانية وتأسيس أول شعبة لتخطيط الدماغ الكهربائي في مستشفى الرشيد العسكري. يعرض هذا المقال محطات حياته، ونشأته، وإنجازاته العلمية التي جعلت منه علماً شامخاً من أعلام العراق.

سيرة اللواء الطبيب مظفر زبير: مؤسس الطب النفسي العسكري
سيرة اللواء الطبيب مظفر زبير: مؤسس الطب النفسي العسكري.

وأنا أبحث عن فرسان مدونتي، أختار شخصياتٍ أحاول إحاطتها بأهم المراحل لكي تكون درساً وعبرةً وليس مجرد سردٍ دون هدف، وإحياءً لشخصياتٍ لربما يجهلها الجيل الحالي؛ فقد كنت قديماً أسمع الأستاذ يوسف عمران أغا دائماً يذكر مظفر زبير ورسائل إنجازه، مما جعلني أعرف ملامحه وعطاءه قبل أن أراه. كما كان بستان أبو أيمن في طريق المحطة يذكرني باستمرار بأنه ابن عم الدكتور مظفر، وأن جده (والد أمه) كان القاضي الشرعي في الحيدر خانة واسمه الشيخ أحمد. وكان الدور لصديقي العزيز اللواء المهندس أحمد ملة غايب 🎖️ في تزويدي بهذه المعلومات الثرية والقيّمة التي أتمت أركان هذه السيرة العطرة.

جذور العصامية: سيرة اللواء الطبيب مظفر زبير في أزقة شهربان القديمة

في آب (أغسطس) من عام 1932، ولدت قامةٌ من قمم الطب العراقي في قلب مدينة شهربان (المقدادية)؛ هناك، تعمّد الطفل مظفر زبير القاسم الحساني "بشاختها" ومياهها الرقراقه، لتجري الجينات الشهربانية الأصيلة نقيةً في عروقه، وتنسج ملامح شخصية عصامية أصبحت فيما بعد علامة فارقة في تاريخ الطب النفسي والعصبي في العراق.

ترعرع الراحل في أحضان "محلة النجاجير" التراثية، المحلة التي استمدت اسمها وتاريخها من مهنة عائلته؛ إذ كان والده (زبير) وعمّه (حبيب) من أشهر نجاري شهربان، واختصا بصناعة الأعمدة الخشبية الشامخة ذات الارتفاعات العالية للمضايف والدور الفخمة، تاركين بصمة معمارية وفنية تشهد بأصالة ذائقتهم.

وفي ذلك الزمن الجميل، عاشت العائلة في بيت كلاسيكي بسيط يجمع الإخوة الثلاثة؛ فقُسّم المنزل الصغير بتكافل بين والد الدكتور، وعمّه ملة مجيد (معلم القرآن وحافظه، ووالد ملة غايب)، وعمّه حبيب النجار (والد عبد الرحمن، وجد وليد وأيمن وأيسر). 

تجسّدت في ذلك البيت البسيط أسمى صور الترابط الأسري العراقي القديم، حيث تقاسمت العوائل الغرف المحدودة بأثاث عريض خالٍ من مظاهر الرفاهية، وقضوا أماسيهم تحت ضياء "الفوانيس" الدافيء قبل عرفان المنطقة بالكهرباء. (وفي مفاجأة توثيقية ذات شجن أثناء جمع ملامح هذه السيرة، تتكشف أواصر هذه القرابة العائلية الوثيقة التي تجمع الدكتور بعمه ملة مجيد وابنه ملة غايب).

لم تخلُ هذه النشأة من المحطات الإنسانية الشجية التي صقلت وجدان الطبيب الشاب؛ فقد كان له شقيق واحد هو المعلم "رشدي"، الذي حمله شغفه العلمي للسفر إلى تركيا لدراسة الطب، لكن مرض السرطان عاجله فعاد إلى أرض الوطن ليلبي داعي ربه راضياً مرضياً. كما عاش الدكتور بين ثلاث شقيقات (ظفيرة، ورشدية، ومسيرة) اللاتي انتقلن جميعاً إلى رحمة الله، لتبقى ذكرى هذه الأسرة العصامية المعطاءة منارة تُستلهم منها أعلى دروس الصبر والشغف والتحدي.

رحلة الشغف والتفوق: من كتاتيب شهربان إلى أروقة الكلية الطبية الملكية

بدأت الرحلة العلمية للدكتور مظفر زبير القاسم الحساني من كتاتيب مدينته المعطاءة شهربان (المقدادية)، حيث نهل منها مبادئ القراءة والحساب والقرآن الكريم، لينتقل بعدها إلى مقاعد الدراسة الابتدائية والمتوسطة في مدارس المدينة. تميّز الشاب بموهبة وقادة وشغف علمي ملفت لفت أنظار أساتذته، حيث تكللت دراسته المتوسطة بنيل درجات عالية ومتميزة وضعته في طليعة المتفوقين.

رحلة الشغف والتفوق: من كتاتيب شهربان إلى أروقة الكلية الطبية الملكية
مظفر زبير الحساني.

وفي ذلك الوقت، لم تكن هناك مدرسة إعدادية في قضاء المقدادية تستوعب طموحه لإكمال الصفين الرابع والخامس في الفرع العلمي؛ إلا أن معدله الاستثنائي أهّله للتنافس والقبول في "كلية الملك فيصل" المستحدثة حينها قرب المقبرة الملكية في الأعظمية بالعاصمة بغداد (في موقع ثانوية الأعظمية للبنين حالياً). وكانت هذه الكلية صرحاً تعليمياً عريقاً مصمماً وفق النظام الإداري والتعليمي الإنجليزي، حيث كانت جميع مناهجها وتدريساتها تُدار باللغة الإنجليزية على يد كادر إداري بريطاني وتستمر لثلاث سنوات.

لم يدم دوامه في هذا الصرح الإنجليزي سوى بضعة أشهر؛ إذ شهد العراق في تلك الفترة حراكاً وطنياً واحتجاجات شعبية عارمة ضد الإدارة المدعومة من المستعمر، وامتدت شرارة التظاهرات إلى كلية الملك فيصل بقيادة الطلاب التقدميين المناهضين للوجود الإنجليزي. ومع استمرار الاحتجاجات وتعطيل الدوام الرسمي، أصدرت السلطات قراراً بإغلاق الكلية وتوزيع طلبتها على المدارس الإعدادية الأخرى.

ولعدم وجود ثانوية في مدينته شهربان، كان نصيب مظفر زبير الانتقال إلى ثانوية بعقوبة للبنين. ولم تزدِ هذه التحولات التحدياتِ إلا إصراراً، فتخرج منها بنجاح باهر وبدرجات ممتازة وضعت اسمه في صدارة الناجحين على مستوى المحافظة.

فتح هذا التفوق العالي أمامه أبواب المستقبل الرحب؛ ففي عام 1952، تقدم للدراسة في واحدة من أعرق كليات الشرق الأوسط، كلية الطب بجامعة بغداد (الكلية الطبية الملكية)، وعلى نفقة وزارة الدفاع العراقية، ليبدأ خطوته الأولى في رحلة الطب النفسي والعسكري التي خلدت اسمه في تاريخ الطب العراقي.

​بوابات العصر الذهبي: الدخول إلى كلية الطب بجامعة بغداد (1952 - 1958)

​في عام 1952، فتحت الكلية الطبية الملكية في جامعة بغداد أروقتها العريقة لاستقبال الشاب المتفوق مظفر زبير القاسم الحساني، بعد أن نال شرف القبول فيها على نفقة وزارة الدفاع العراقية. كانت الكلية الطبية في تلك الحقبة تمثل صرحاً أكاديمياً علمياً يُعدّ الأرقى في الشرق الأوسط، حيث ضمت نخبة كبار الأساتذة، وتطلّبت دراستها انضباطاً ذهنياً وعلمياً عالياً.

​انغمس طالب الطب الشاب في أمهات الكتب الطبية، متجاوزاً سنوات الدراسة الشاقة بالصبر والشغف، ليُكلَّل هذا المسار الحافل بالنجاح الباهر عام 1958 حاملاً شهادة البكالوريوس في الطب والجراحة العامة، ومتقلداً رتبته العسكرية الأولى: نقيب طبيب في صفوف الطبابة العسكرية العراقية.

​وفي حادثة تاريخية فارقة تقشعر لها الأبدان، شاءت الصدف الإلهية أن يكون الطبيب الشاب مظفر زبير طبيباً خفراً في مستشفى الرشيد العسكري صبيحة انقلاب حركة 14 تموز 1958؛ ليكون شاهداً عياناً على واحدة من أشد المحطات دراماتيكية في تاريخ العراق الحديث، حين جُلبت رفات الملك فيصل الثاني إلى المستشفى وهو في قلب واجباته الطبية العسكرية.

​بوابات العصر الذهبي: الدخول إلى كلية الطب بجامعة بغداد (1952 - 1958)
مظفر ربير برتبة نقيب.

عقب تلك الأحداث التاريخية العاصفة، تم تنسيبه طبيباً في اللواء التاسع عشر المتركز في معسكر المنصور؛ ليلتحق بميدان تقديم الرعاية الطبية لضباط ومنتسبي الجيش العراقي، مبرهناً على كفاءة طبية عالية وانضباط عسكري صارم، وممهداً الطريق لنيل ثقة القيادة الطبية التي سارعت إلى ترشيحه للمرحلة الأهم في حياته: التخصص العالي في بريطانيا.

الريادة والتميز العالمي: البعثة إلى بريطانيا وتأسيس الطب النفسي العسكري الحديث

في عام 1961، حزم الدكتور مظفر زبير أمتعته متجهاً إلى المملكة المتحدة في بعثة علمية رفيعة المستوى لإكمال دراساته العليا؛ حيث تعمّق في أحدث المعارف الطبية ونال الدبلوم العالي في طب الأعصاب والصحة النفسية من أعرق المعاهد البريطانية.

عاد الطبيب المتخصص إلى أرض الوطن ممتلئاً بالشغف والرؤية التحديثية، ليُعيّن في مستشفى الرشيد العسكري ضمن شعبة الطب النفسي والعصبي. وفي هذا الصرح الطبي العريق، قاد الدكتور مظفر ثورة علمية وتقنية غير مسبوقة؛ إذ يُسجَّل له التاريخ بأنه أول من أدخل وأسس شعبة التخطيط الكهربائي للدماغ (EEG) في مستشفى الرشيد العسكري، متيحاً للمؤسسة الطبية العسكرية والمدنية وسيلة تشخيصية دقيقة لم تكن مجهزة بها من قبل.

ولم يتوقف طموحه الأكاديمي عند هذا الحد؛ ففي عام 1973، حاز على زمالة الكلية الملكية البريطانية للأطباء النفسيين (MRCPsych)، ليتسنم بعدها إدارة الشعبة العصبية والنفسية، ثم أدار وحدة الطب النفسي في المستشفى بكفاءة واقتدار.

الريادة والتميز العالمي: البعثة إلى بريطانيا وتأسيس الطب النفسي العسكري الحديث
برتبة عميد طبيب.

وتتويجاً لإسهاماته البحثية الخالدة، لا سيما بحثه المرجعي حول تاريخ الطب النفسي، أرسلت له الكلية الملكية البريطانية عام 2001 شهادة الزمالة الفخرية تثميناً لبحوثه المبتكرة؛ ليكون بذلك واحداً من قائلين معدودين جمعوا بين صرامة القيادة العسكرية العالية وأعلى الدرجات العلمية التخصصية في العالم.

العطاء الأكاديمي والرحيل الخالد: لواء طبيب يرسخ إرث "شيخ الأطباء النفسيين"

في عام 1982، أُحيل الدكتور مظفر زبير القاسم الحساني على التقاعد وهو يحمل رتبة لواء طبيب؛ إلا أن هذا التقاعد العسكري لم يكن سوى بداية لمرحلة جديدة من العطاء الأكاديمي والمؤسسي الممتد. لم ينكفئ الراحل إلى الراحة، بل تحول إلى منارة علمية تُضيء طريق الأجيال الطبية الجديدة؛ إذ عمل محاضراً لأداء مادة الطب النفسي في كلية الطب بالجامعة المستنصرية، ومشرفاً أفقياً على طلبة الهيئة العراقية للاختصاصات الطبية (البورد العراقي) في اختصاص الطب النفسي لعدة سنوات.

وعلى صعيد التنظيم المهني والفكري، يُعد الدكتور مظفر أحد المؤسسين الأوائل لـ "الجمعية العراقية للأطباء النفسانيين"، حيث ترأسها لسنوات طويلة موجهاً مسارها العلمي، كما أسس مجلتها الطبية الرائدة (مجلة الرازي) وتولى إدارة تحريرها. وقاد الراحل حراكاً فكرياً ووطنياً شجاعاً تمثل في حملة تعريب المصطلحات الطبية بالتعاون مع المفكر والدكتور الراحل راجي التكريتي؛ وعلى الرغم من أن المشروع لم يكتمل لظروف الحقبة، إلا أنه ظل وثيقة تشهد على غيرته الوطنية وشغفه بلغة القرآن.

وفي الثلاثين من آذار عام 2014، ترجل الفارس عن خيله؛ إذ وافاه الأجل المحتوم إثر جلطة دماغية لم تمهله طويلاً، ليرحل عن دنيانا بعد حياة حافلة بالبناء الطبي والعسكري.

العطاء الأكاديمي والرحيل الخالد: لواء طبيب يرسخ إرث "شيخ الأطباء النفسيين"

وتثميناً لذكراه العطرة، أقام مكتب المستشار الوطني للصحة النفسية العراقية حفلاً تأبينياً مهيباً في مستشفى ابن رشد للأمراض النفسية؛ حيث أُطلق اسمه الخالد على إحدى ردهات المستشفى الرئيسية لتظل شاهدة على بصماته. وفي ذلك المحفل التأبيني، أطلق عليه رئيس الجمعية الطبية آنذاك، الدكتور قاسم العوادي، لقباً توّج مسيرته واستحقه عن جدارة واستحقاق: "شيخ الأطباء النفسيين في العراق".

أثرٌ البحثي خالد: إسهامات مظفر زبير في النشر الطبي وتاريخ الطب النفسي

لم يقتصر الحضور العلمي للدكتور مظفر زبير القاسم الحساني على الجانب السريري والعسكري فحسب، بل امتد ليكون ركناً أساسياً في إثراء المكتبة الطبية العربية والعراقية بالأبحاث الرصينة والمشاريع التوثيقية الخالدة. امتلك الراحل رؤية أكاديمية مبكرة أدركت أن ارتقاء الطب يتطلب توثيقاً متيناً ونشراً علمياً مستمراً.

تتجلى أبرز إسهاماته البحثية والنشرية في المحطات التاريخية التالية:

  • دراسة "تاريخ الطب النفسي في العراق": يُعد بحثه المرجعي المنشور في المجلة العربية للطب النفسي الصادرة عن اتحاد الأطباء النفسانيين العرب عام 2001 بعنوان "تاريخ الطب النفسي في العراق" وثيقة تاريخية وأكاديمية فريدة؛ حيث رصد فيه التحولات المؤسسية والعلاجية التي مر بها هذا الاختصاص منذ العهود المبكرة وحتى العصر الحديث، مستنداً إلى معايشته المباشرة كأحد صناع هذا التاريخ.

  • تأسيس وإدارة "مجلة الرازي الطبية": بصفته أحد أبرز مؤسسي الجمعية العراقية للأطباء النفسانيين، أسس الراحل مجلة "الرازي" الطبية المتخصصة، وتولى إدارة تحريرها لسنوات طويلة؛ لتكون منصة علمية محكمة تنشر أحدث الأبحاث والدراسات النفسية والعصبية للأطباء والباحثين العراقيين.

  • مشروع تعريب المصطلحات الطبية: قاد الدكتور مظفر، بالتعاون مع المفكر والدكتور الراحل راجي التكريتي، حركة علمية وطنية شجاعة هدفت إلى نقل العلوم الطبية وترجمة مصطلحاتها الدقيقة إلى اللغة العربية، في سعي مخلص لجعل لغة الضاد لغة علم وتدريس في الكليات الطبية.

  • التقدير الأكاديمي الدولي: تُوجت إسهاماته البحثية ومكانته العلمية العالمية بقرار الكلية الملكية البريطانية للأطباء النفسيين عام 2001 بإرسال شهادة الزمالة الفخرية إليه، تثميناً ونشراً لأبحاثه المبتكرة في مجال الطب النفسي والعصبي.

  • الإشراف على رسائل البورد والجامعات: أسهم من خلال عمله في كلية الطب بالجامعة المستنصرية والهيئة العراقية للاختصاصات الطبية في توجيه ومراجعة العشرات من أطاريح الدكتوراه أبحاث البورد العراقي، مما ترك بصمة علمية يسترشد بها الأطباء حتى يومنا هذا.

العيادة الخاصة في شارع النصر: مقصِد المرضى في قلب بغداد

إلى جانب مهامه العسكرية والأكاديمية المزدحمة، أتاح الراحل مقصداً إنسانياً وطبياً مباشراً لعامة المواطنين؛ حيث افتتح عيادته الطبية الخاصة في شارع النصر بوسط العاصمة بغداد — الشارع الذي كان يُعد مع شارع السعدون والباب الشرقي الشريان الطبي الأنضر والأشهر لأعمدة الطب العراقي.

شكلت عيادته في شارع النصر معلماً طبياً شاخصاً ومقصداً رئيسياً للباحثين عن التشخيص النفسي والعصبي الدقيق، في حقبة كانت فيها هذه التخصصات شحيحة والأطباء الاستشاريون المتمكنون معدودين. وعُرف الدكتور مظفر في عيادته بالوقار العالي، والإنصات العميق لمرضاه، وتقديم الرعاية الإنسانية الشاملة التي جعلت من اسمه ملاذاً طمأن آلاف العائلات العراقية لسنوات طويلة.

وقد عاصر الدكتور مظفر زبير وعمل جنباً إلى جنب مع الرعيل الأول والعمالقة الأوائل الذين أسسوا مدرسة الطب النفسي والعصبي وجراحة الجملة العصبية في العراق؛ أمثال الدكتور جاك عبود (من أواسط وأوائل متخصّصي الطب النفسي والعصبي)، والدكتور علي كمال (صاحب المؤلفات والأبحاث الشهيرة في علم النفس والطب النفسي)، ورفاق دربه من كبار الأطباء مثل الدكتور طارق حمدي، والدكتور وفيق اليرموك، بالإضافة إلى أعلام جراحة وتخصص الجملة العصبية أمثال الدكتور نجيب اليعقوبي والدكتور سعد الوتري.

العيادة الخاصة في شارع النصر: مقصِد المرضى في قلب بغداد
العيادة الخاصة في شارع النصر: مقصِد المرضى في قلب بغداد.

وسط هذه القمم والأسماء الشامخة في تاريخ الطب العراقي، حجز الدكتور مظفر زبير لنفسه مكانة مرموقة واستثنائية؛ حيث جمع في عيادته بشارع النصر بين أحدث ما توصلت إليه المدرسة البريطانية في تشخيص الأعصاب وطب النفس، وبين لمسة الحنان والاحتواء الإنساني التي ميزت أطباء "العصر الذهبي" في بغداد.

امتداد الإرث والعطاء: أبناءٌ يسيرون على خطى "شيخ الأطباء"

لم يقتصر أثر الدكتور مظفر زبير القاسم الحساني على الميادين الطبية والعسكرية والأكاديمية، بل امتد ليكون غراساً طيباً أثمر في بيته وأسرته؛ إذ خلّف الراحل ذرية مباركة من ثلاث زيجات، حملت مشعل العلم والخدمة الوطنية من بعده.

وقد تجسدت جينات النجاح والعصامية في أبنائه الذين اقتفوا أثر والدهم العظيم ونهلوا من مدرسة انضباطه وإنسانيته؛ فكان غالبية أبنائه أطباء اختصاصيين ينشرون بلسم الشفاء في الكليات والمستشفيات، امتداداً لمسيرته الطبية الرائدة. كما اتجه أحد أبنائه إلى ميدان الواجب الوطني، ليتدرج في سلك قوى الأمن الداخلي حتى نال رتبة عقيد شرطة في وزارة الداخلية، مجسداً انضباط والده العسكري وغيرته الوطنية.

لقد أثبتت هذه العائلة العراقية الأصيلة أن نجاح الرواد لا يتوقف عند إنجازاتهم الشخصية، بل يمتد في أجيال تحمل السيرة العطرة وتواصل خدمة المجتمع بكل أمانة واقتدار.

خاتمة ووفاء: خلود الذاكرة وشكر لأهل الفضل

في ختام هذه السيرة العطرة لقامة عراقية شامخة، يبقى اسم اللواء الطبيب مظفر زبير القاسم الحساني محفوراً بأحرف من نور في ذاكرة الوطن وتاريخ الطبابة العسكرية. لقد أثبتت حياته الحافلة —التي امتدت من بيوت الفوانيس في "محلة النجاجير" بمدينة شهربان، إلى أروقة الكلية الملكية البريطانية، ومستشفى الرشيد العسكري، وعيادته المعطاءة في شارع النصر— أن العلم الشغوف والانضباط العسكري والإنسانية الصادقة حين تجتمع في رجل واحد، تصنع تاريخاً مجيداً يُلهم الأجيال ولا يمحوه الزمان.

خلود الذاكرة وشكر لأهل الفضل الدكتور مظفر زبير
الصورة الاخيره للكتور مفر زبير.

إن إحياء ذكرى هؤلاء الرواد واستحضار محطات كفاحهم ليس مجرد ترفٍ توثيقي، بل هو رسالة وفاء وواجب وطني لنقل تلك القيم العظيمة من العصر الذهبي للطب العراقي إلى أجيال الحاضر والمستقبل.

💬 شهادة بحق "شيخ الأطباء النفسيين" د. إبراهيم شكر 

"وقال د. إبراهيم شكر في تعليقه عن بطل منشورنا: لقد حمل الدكتور مظفر هموم نفسه ومدينته ووطنه العراق، ولا سيما طبقة الفقراء؛ فما راجعه إنسانٌ في عيادته إلا وخرج راضياً مستبشراً، لما لمسه فيه من برٍّ بأهله ومدينته. ما خاب من قصده؛ فقد كان كبيراً في كرم أخلاقه، ونبيلاً في شرفه، إنساناً تمثّل حكمة إمام المتقين علي بن أبي طالب في تعامله مع البشر: (إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق)."

🌸 كلمة شكر وتقدير واعتراف بالفضل:

ولا يسعنا في ختام هذا التقرير التوثيقي إلا أن نتقدم بأسمى عبارات الشكر والامتنان والتقدير الرفيع إلى الصديق العزيز اللواء المهندس أحمد ملة غايب؛ فلولا حرصه الوطني الكبير، ووعيه الأرشيفي العميق، والمعلومات الثرية الدقيقة التي جاد بها من ذاكرته العائلية، لما خرجت هذه السيرة العطرة إلى النور بهذه الصورة المتكاملة والدقيقة. لقد كان لجهده الفضل الأول في إحياء ذكرى "شيخ الأطباء النفسيين" وتقديم درسٍ حيٍ في العصامية والخدمة الوطنية، سائلين الله أن يحفظه ويمتعه بالصحة والعافية، وأن يرحم فقيد العراق الكبير بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته.

google-playkhamsatmostaqltradent