recent
أخبار ساخنة

سليمان البكري.. "أيقونة" شهربان التي طوعت بحور الكلمات وفلسفة التجريب

Site Administration
الصفحة الرئيسية

🖋️ سليمان البكري.. "أيقونة" شهربان التي طوعت بحور الكلمات وفلسفة التجريب 🖋️

بقلم: مالك المهداوي.

مقدمة: رحيل في ضيافة الرحمن 🌙.

في لحظة فارقة من شهر رمضان المبارك لعام 2026، وبينما كانت القلوب تتهيأ لسكينة الصيام، ترجل عن صهوة الكلمة فارسٌ من فرسان مدينة "شهربان" العريقة، الناقد والقاص والأستاذ سليمان البكري. غادرنا بجسده، لكنه ترك خلفه زلزالاً من الأثر الأدبي، وأبناءً رائعين يحملون تلك الرسالة النبيلة بوفاءٍ نادر. إن رحيله ليس مجرد غياب شخص، بل هو انطواء صفحة ذهبية من تاريخ "ديالى" الثقافي، ومسيرة حافلة في المشهد الثقافي العراقي كعضوٍ فاعل في اتحاد الأدباء والكتاب. 🕊️

سليمان البكري.. "أيقونة" شهربان التي طوعت بحور الكلمات وفلسفة التجريب
سليمان البكري.. "أيقونة" شهربان التي طوعت بحور الكلمات وفلسفة التجريب .

1. كاريزما الأناقة: صورة لا تغيب عن البال

كنتُ أراه وأنا في ريعان الشباب، فتأخذني تلك الشخصية التي كانت تشع "هيبةً عصرية". لم يكن سليمان البكري مجرد كاتب، بل كان نموذجاً للرقي الإنساني. أتذكر جيداً تصفيف شعره الحديث والأنيق، وهندامه الذي يعكس ذوقاً رفيعاً، وضحكته الهادئة التي كانت توحي بسلام داخلي عميق. 👔

كنتُ أنظر إليه بإعجاب الشاب المبهور بوقار الكبار، ولم أكن أدرك آنذاك أن وراء هذا السكون والمظهر المرتب يكمن "محيط من البحار" وقدرات ثقافية لا تحدها حدود. حتى بدأت تطلعاتي تكتشف الأفق، فعرفتُ أن هذا الرجل هو "أيقونة شهربانية أصيلة"، جمعت بين وسامة المظهر وعمق الجوهر، وسعة الأفق الثقافي الذي جعل منه منارةً يهتدي بها جيلنا. 🌊

2. الجذور: ضفاف الشاخة وعبق التاريخ 🌊

ولد سليمان داود عبدالمجيد البكري عام 1937 في قلب "شهربان القديمة" (المقدادية)، في دارٍ باركتها مياه نهر الشاخة الخالد، حين كانت تنساب بين الأحياء والبيوت قبل أن يتم تحويل مجراها خارج المدينة. نشأ في بيئة تفيض بالأصالة، منتمياً إلى قبيلة العزة (فخذ البو بكر)، وهي عائلة لها تاريخ ضارب في عمق الموقف والوطنية. 🏛️

يرتبط اسم عائلته بحدث تاريخي خالد في ثورة العشرين؛ حين تجلت قيم المروءة العربية بأبهى صورها بإيداع "السيدة زنون" (زوجة حاكم شهربان الإنجليزي) في دارهم كأمانة ومستجيرة، وهو موقف يعكس شيم الكبار التي ورثها سليمان البكري وصاغ منها لاحقاً مبادئه الإنسانية والأدبية. 🇮🇶

3. المسيرة المهنية: "المعلم" الذي أضاء عقول الأجيال 🎓

التحق البكري بمعهد المعلمين في بغداد بعد أن أتم دراسته في مدينته المحبوبة. وفي عام 1957، بدأت حياته الوظيفية كـ معلم للغة الإنجليزية. لم يكن تدريس اللغة الإنجليزية بالنسبة له مجرد مهنة، بل كان نافذةً أطل منها على الآداب العالمية. 📚

هذا التخصص منحه دقةً في التحليل اللغوي، وقدرةً على قراءة النصوص الأجنبية في منابعها، مما انعكس لاحقاً على أسلوبه النقدي الذي اتسم بالرصانة والمنطق. ظل وفياً لرسالة التعليم والتربية حتى إحالته على التقاعد، مخلّفاً وراءه أجيالاً تدين له بالفضل في غرس حب المعرفة والقيم الأخلاقية. 🍎

4. عالم الصحافة: قلمٌ من "صفوة الصفوة" 📰

ولج سليمان البكري عالم الصحافة في عصرٍ ذهبي، كانت فيه الأقلام التي تكتب في الصحف تُعد "صفوة الصفوة". ففي ذلك الزمن، لم تكن الصحافة توفر المساحات المفتوحة كما نراها اليوم؛ بل كانت مصفاةً لا يمر منها إلا المبدع الذي يمتلك أدواته بتمكنٍ تام. ✍️

كنا نقرأ مقالاته وأعمدته الثقافية في كبريات الصحف، ونتصفح كلماته بـ فخرٍ غامر؛ لأننا كنا نرى فيه ابن مدينتنا الذي يحمل همومنا وتاريخنا إلى منصات الضوء المركزية. كان البكري يتنقل بين الكلمات بفروسية، فكانت مقالاته تفيض بالوعي النقدي والجمال الأدبي، مما جعله وجهاً ثقافياً ناصعاً لمحافظة ديالى والعراق أجمع. 🌟

5. المنجز النقدي: رائد "التجريب" وفلسفة السرد 📖

لا يمكن الحديث عن سليمان البكري دون الوقوف بإجلال أمام كتابه المفصلي "التجريب في القصة والرواية" (الصادر عن دار الشؤون الثقافية عام 2000). في هذا المنجز، أثبت البكري أنه ليس مجرد قاص، بل هو منظرٌ رائد. 🧐

ركز البكري على قضية "التجريب" كضرورة فنية لتحرير النص من القوالب التقليدية، وقد أولاها اهتماماً تنظيرياً وتطبيقياً فذاً. رصد من خلالها التحولات التي طرأت على الرواية العربية في العراق، مبيناً كيف انتقل الأديب من "الحكاية المباشرة" إلى "البنية السردية المعقدة". كتابه هذا يظل مرجعاً أساسياً لكل باحث يبتغي فهم خفايا السرد العراقي الحديث. 📑

6. وجع البعد ووفاء الذاكرة 💔

أجدني اليوم، وفي هذه اللحظات الوداعية، أشعر بـ تقصيرٍ إنساني؛ لأني لم أستطع زيارته في أيامه الأخيرة بسبب بعدي عن المدينة. لكنني كنتُ أسأل عنه دوماً، وأتقصى أخباره بشغف المحب. إن البعد الجغرافي لم يمنعني يوماً من تتبع أثره؛ فمن يمتلك مثل إرث البكري لا يغيب، ومن يترك خلفه بحاراً من الكلمات يظل حاضراً في كل سطرٍ نقرأه. 🌍

الخاتمة: إرثٌ باقٍ وأسماءٌ تلمع 🌠

رحل سليمان البكري في رمضان 2026، ليلحق بركب المبدعين الذين رسموا هوية العراق الثقافية. رحل بجسده، لكن اسمه سيبقى خالداً كخلود نهر الشاخة، وكثبات نخيل المقدادية. ترك خلفه أبناءً رائعين، هم اليوم ثمار غراسه الطيبة، يحملون رسالته الأدبية والأخلاقية بكل أمانة واقتدار. 👨‍👩‍👧‍👦

نم قرير العين يا أبا المبدعين؛ فقد أديت الأمانة، وزرعت الجمال، وطوعت الحرف، وستبقى "أيقونة شهربان" التي لا تنطفئ شمسها أبداً. 🌹

إنا لله وإنا إليه راجعون.. وداعاً سليمان البكري. 🕊️

google-playkhamsatmostaqltradent