طيف.. بريق الذهب ونبل "الحكيم" في أزقة شهربان العتيقة 🏺✨
بقلم: مالك المهداوي.
لا يزال طيفُ "الدكتور طيف هادي عبد الماهر" ساكناً في زقاق "سوق شهربان"، وتحديداً في "محلة الصاغة" التي كانت تفوح بعطر التاريخ. هناك، حيث يلتقي بريق الذهب بصفاء الحلي، تلمح روحاً تجوب المكان؛ روحاً صاغتها مطارق السندان وصدى الضحكات التي لم تغادر تلك الجدران يوماً.
![]() |
| طيف.. بريق الذهب ونبل "الحكيم" في أزقة شهربان العتيقة. |
كنتُ أجلس في محله، لا كعابر سبيل، بل كصديقٍ كاد من فرط ميله لرفقة طيف أن يتقن سر المهنة. كانت تلك الأيام تضجّ بالحياة، واليوم يسكننا الوجدان في حضرة ذكراها. هاجر طيف، حمل جسده إلى بلاد الغربة تاركاً خلفه إرثاً من الذكريات التي لا تشيخ. أجزمُ أن روحه لا تزال تطوف في دروب المدينة، تحنّ إلى أزقتها، بينما يقاسي في وحدته هناك فراغاً لا يملؤه إلا الحنين.
مقدمة: حينما تعزف الذاكرة لحن الحنين 🎶
في كل مدينة، هناك أرواح لا تغادرها أبداً، حتى وإن عبرت المحيطات وسكنت القارات البعيدة. مدينة شهربان (المقدادية)، تلك الحاضنة للتنوع والجمال، لطالما كانت منبتاً لرجالٍ صاغوا بوفائهم تاريخاً من ذهب. ومن بين هؤلاء، يبرز اسم الدكتور طيف هادي عبد الماهر (أبو مهند)، الشخصية التي جمعت بين بريق الصياغة ونبل الطب ووفاء الصديق.
في هذا المقال، نرحل معكم في رحلة عبر الزمن، لنتتبع خُطى "طيف" من ماء الشاخة وصولاً إلى صقيع الغربة، موثقين مسيرة إنسانٍ آمن بالآخر في زمن الضجيج. 🕊️📜
من مياه "الشاخة" إلى الحي العصري: صرخة الوجود الأولى 💧
بينما كان الأفق يلوح بتباشير عام 1958، ولد "طيف" في بيتٍ دافئ تحتويه أزقة شهربان القديمة. في تلك الدروب الضيقة، عُمِّد طيف بماء "الشاخة" الجاري، فكانت صرخته الأولى إيذاناً بانبثاق روحٍ صابئية مندائية ستشكل جزءاً من فسيفساء هذه المدينة. 🌿
نشأ طيف في بيئة مفعمة بالحيوية، وبدأ ينطق ويتعلم في مدارس شهربان بذكاءٍ ونشاطٍ خارقين. ومع مرور الأيام، انتقلت عائلته إلى "الحي العصري"، لتبدأ فصول جديدة من حياته، حيث لم يكن طيف مجرد طالب متفوق، بل كان جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي الذي يربط أبناء المدينة ببعضهم البعض.
جسر الإنكليز وفلكة الزعيم: ذكريات الصداقة والشباب 🌉
بدأت علاقتنا المتينة في الصف الرابع الإعدادي، حيث كانت شهربان في أبهى صورها. كنا نتبادل الزيارات، ونتقاسم المسير مساءً من "جسر الإنكليز" التاريخي وصولاً إلى "فلكة الزعيم". كانت تلك الأمسيات تضج بأحلام الشباب وتطلعات المستقبل. 🚶♂️🚶♂️
كنا نمضي الساعات في المكتبة، أو نجلس في محل والده لبيع الذهب في "محلة الصاغة". هناك، وسط لمعان المعدن الأصفر، كان طيف يتحدث برؤية ثاقبة عن الحياة والناس. لقد كنت جليس محله لسنوات، حتى كدتُ من فرط الملازمة أن أتعلم "سر الصنعة" وأصول الصياغة، لكن الأيام كانت تخبئ لكل منا مساراً مختلفاً.
بين الموصل وبغداد: رحلة العلم وتحولات القدر 🎓
كنا نتوقع لذكاء طيف واجتهاده أن يوصله إلى كلية الطب البشري، لكن الأقدار شاءت أن يكون نصيبه كلية الطب البيطري في جامعة الموصل. هناك، في مدينة الحدباء، نهل من العلم ما جعله "حكيماً" بكل ما للكلمة من معنى. 🏥
بعد التخرج، لم تقف طموحاته عند حد، فانتقل لاحقاً إلى عالم الصيدلة، المهنة التي منحته فرصة أكبر للاحتكاك بالناس ومساعدتهم. ورغم أن زوجته المصونة "صيدلانية بغدادية" ومن أهل العاصمة، إلا أن وفاء طيف لشهربان كان الأقوى؛ إذ آثر السكن في مدينته الأم بدلاً من الانتقال إلى بغداد، ليبقى قريباً من أهله وناسه وأصدقائه.
موقف بطولي في "كفري" 1991: حين تتجلى الإنسانية في الأسر 🛡️
تجلت إنسانية طيف بأسمى صورها خلال خدمته العسكرية عام 1991. إبان أحداث سقوط السليمانية، وقع طيف أسيراً في مدينة "كفري". وفي تلك اللحظات الحرجة، لم يفكر في نجاته الشخصية بقدر ما فكر في واجبه الأخلاقي.
تطوع "أبو مهند" لعلاج الجرحى والمصابين في مستشفى كفري، مثبتاً أن روح الطبيب لا تعرف الحدود السياسية أو الطائفية. لقد كان إحسانه ونبله سبباً مباشراً في كسب احترام الجميع ونجاته بحياته، ليظل أهل تلك المنطقة شاكرين لموقفه الذي لم يفرق بين إنسان وآخر.
سنوات الحصار وصيدلية الفقراء: مواقف مع الدكتور نزار الخزرجي 💊
خلال سنوات الحصار الجائر، أصبحت صيدلية الدكتور طيف ملاذاً للمحتاجين. لم تكن الصيدلية مكاناً لبيع الدواء فحسب، بل كانت مركزاً للتكافل الاجتماعي. تعاون طيف بشكل وثيق مع أطباء المدينة، وعلى رأسهم الدكتور نزار الخزرجي، لدفع تكاليف الدواء عن كاهل الفقراء والمعوزين. 🤝
وحتى حين تعرضت صيدليته للسرقة في تلك الظروف الصعبة، لم يستسلم أو يغادر. بل أعاد بناءها من جديد بكل إصرار وعزيمة، مؤمناً بأن رسالته في خدمة أهل شهربان لم تنتهِ بعد.
الهجرة القسرية 2003: رحيل الجسد وبقاء الروح ✈️
جاء عام 2003 محملاً بالرياح العاتية التي هزت استقرار البلاد. اضطر طيف، "أبو مهند"، إلى الهجرة قسراً، تاركاً وراءه جزءاً كبيراً من قلبه وذكرياته. هجر المدينة لأن طيفه الإنساني النقي لم يجد مكاناً وسط الذين ضاقوا بالاختلاف، هو ابن المدينة البار من الصابئة المندائيين الذين صاغوا بوفائهم أجمل حكايات التعايش. 💔
خاتمة: رسالة وفاء إلى "أبو مهند" في مغتربه 💌
اليوم، وبينما يملأ جسد طيف مكاناً بعيداً في بلاد المهجر، ندرك تماماً أن روحه لا تزال تطوف في "محلة الصاغة" وتحن إلى أزقة شهربان. إن غيابك يا صديقي ترك فراغاً لا يسده إلا الحنين، ولكن ذكراك ستبقى محفورة في وجدان كل من عرفك صائغاً، وطبيباً، وصيدلانياً، وإنساناً قبل كل شيء.
من هنا، من أرض البرتقال والنخيل، نرسل إليك أزكى التحايا، مؤكدين أن "شهربان" لن تنسى أبناءها المخلصين، وأن بريقك الإنساني سيظل يضيء في ذاكرتنا إلى الأبد. 🕊️✨
