recent
أخبار ساخنة

​شهربان: عاصمة الظل الساسانية ومنارة الفتح الإسلامي في بلاد الرافدين

Site Administration
الصفحة الرئيسية

​شهربان: عاصمة الظل الساسانية ومنارة الفتح الإسلامي في بلاد الرافدين

بقلم: باحث الأنساب محمد جواد كاظم التميمي

عضو رابطة التاريخ لتوثيق الأنساب

​مقدمة: عبق التاريخ في "مدينة الرمان"

​بين ضفاف نهر ديالى وسلاسل جبال حمرين، ترقد مدينة "شهربان" (المقدادية الحالية) كجوهرة مخفية في قلب التاريخ العراقي القديم. ليست شهربان مجرد مركز قضاء في محافظة ديالى، بل هي ذاكرة حية لإمبراطوريات سادت ثم بادت، ومسرحاً لأعظم التحولات السياسية والعسكرية التي شهدها المشرق العربي والإسلامي. إن الحديث عن شهربان هو حديث عن "دستجرد الملكية"، وعن الصراع البيزنطي الساساني، وصولاً إلى فجر الإسلام الذي أشرق على ربوعها ببطولة الصحابي سعد بن أبي وقاص.

​شهربان: عاصمة الظل الساسانية ومنارة الفتح الإسلامي في بلاد الرافدين "صورة توثيقية لمدينة شهربان التاريخية في المقدادية - الباحث محمد جواد التميمي"
​شهربان: عاصمة الظل الساسانية ومنارة الفتح الإسلامي في بلاد الرافدين. 

​أولاً: الأصول الساسانية وتأسيس "دستجرد الملكية"

​يعود تاريخ شهربان الموغل في القدم إلى العصر الساساني، وتحديداً في القرن الثالث الميلادي. بدأت حكاية مجدها الحقيقي مع الملك هرمز بن سابور بن أردشير (274 - 275 م). رغم قصر فترة حكمه التي لم تتجاوز العام وعشرة أشهر، إلا أنه ترك أثراً عمرانياً خالداً غيّر وجه المنطقة.

  1. بناء القصور (أدسكرا): اختار الملك هرمز هذا الموقع لطيب مناخه وصفاء أجوائه، فبنى فيها قصوراً منيعة عُرفت بـ "دستجرد" أو "أدسكرا"، والتي تعني باللغة الفارسية القديمة "الحصن الملكي".
  2. العاصمة الثانية للإمبراطورية: لم تكن شهربان مجرد مصيف للملوك، بل تحولت تدريجياً لتصبح العاصمة الثانية بعد "طيسفون" (المدائن). وبسبب موقعها الاستراتيجي، أصبحت مقراً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، ومنطلقاً للجيوش الساسانية المتجهة نحو الجبهات الغربية.
  3. جنة ديالى المفقودة: وصف المؤرخون القدامى شهربان بأنها كانت عبارة عن غابة من البساتين المثمرة والحدائق الزاهية التي أحاطت بالقصور، حيث استغل الملوك وفرة المياه في نهر ديالى لإقامة نظام ري متطور جعل من المدينة واحة غناء وسط الصراعات.

​ثانياً: الصراع "الساساني – البيزنطي" وحملة هرقل

​شهدت شهربان ذروة مأساتها التاريخية في القرن السابع الميلادي. ففي عام 627م، وفي سياق الحروب الطاحنة بين الإمبراطورية الرومانية الشرقية (الروم) والفرس، قاد الملك هرقل حملة عسكرية كبرى استهدفت قلب الدولة الساسانية.

  • حملة استرداد الصليب: جاءت حملة هرقل رداً على الاعتداءات الساسانية المتكررة، وكان أحد أهدافها المعلنة هو استعادة "الصليب المقدس".
  • اجتياح دستجرد: دخل هرقل مدينة شهربان (دستجرد) بجيوشه، ووجد فيها كنوزاً ذهبية وأموالاً لا تُحصى كانت تمثل ثروة الإمبراطورية. نهب هرقل المدينة وأحرق قصورها العظيمة انتقاماً، ثم واصل زحفه لكنه لم يتمكن من الوصول إلى المدائن (طيسفون) بسبب الصعوبات اللوجستية وتغير المناخ.

​ثالثاً: الفتح الإسلامي ونهاية الإمبراطورية

​بعد مرور 24 عاماً فقط على حملة هرقل، لم تعد الدولة الساسانية القادرة على الصمود أمام المد الإسلامي الصاعد من الجزيرة العربية. في عام 651 م (16 هجرية)، وقعت معركة القادسية الشهيرة بقيادة البطل العربي سعد بن أبي وقاص.

​كان سقوط شهربان والمدائن في يد المسلمين إيذاناً بانتهاء حكم آل ساسان إلى الأبد في زمن الملك يزدجرد الثالث. تحولت المدينة من معقل للقوة الفارسية إلى حامية إسلامية ومحطة مهمة على طريق الحج والتجارة، وسكنتها القبائل العربية الأصيلة التي حافظت على هويتها العربية حتى يومنا هذا.

​رابعاً: شواهد أثرية وتنوع ديني (كنوز المقدادية)

​اليوم، تتمثل عظمة شهربان في تلالها الأثرية التي ما زالت تنتظر المزيد من التنقيب والاهتمام:

  1. موقع "بنت الأمير": هو أحد المواقع الأثرية البارزة في المقدادية، ويُعتقد أنه يضم بقايا أحد القصور الملكية القديمة أو الحصون التي شيدت لحماية المدينة.
  2. موقع "سبع قناطر": يمثل هذا الموقع عبقرية الهندسة المائية القديمة، حيث كانت القناطر تُستخدم لتوزيع مياه الري بين البساتين الشاسعة.
  3. منطقة الجعار ومقبرة الصابئة المندائيين: تقع هذه المنطقة جنوب مدينة شهربان، وتبرز فيها أهمية التنوع العقائدي. فوجود مقبرة لطائفة الصابئة المندائيين يؤكد أن شهربان كانت دائماً ملاذاً آمناً لمختلف الأطياف والملل.

​قائمة المصادر والمراجع:

أولاً: المصادر التاريخية والجغرافية القديمة:

  • الحموي، ياقوت. معجم البلدان. المجلد الثالث، مادة (شهربان).
  • الطبري، محمد بن جرير. تاريخ الرسل والملوك. أحداث عام 627 ميلادية وحملة هرقل.
  • البلاذري، أحمد بن يحيى. فتوح البلدان. تحقيق رضوان محمد رضوان، بيروت.

ثانياً: الدراسات والتقارير الأثرية الحديثة:

  • مفتشية آثار ديالى. التقرير السنوي حول التنقيبات في موقعي بنت الأمير وسبع قناطر. (2022).
  • المحمدي، د. نظير صبار. "تاريخ مدينة المقدادية وإمكانية تطويرها"، مجلة الدراسات المستدامة، جامعة الأنبار.
  • الآلوسي، محمود شكري. أخبار بغداد وما جاورها من البلاد.

تقبلوا مودتي واحترامي،

أخوكم الباحث: محمد جواد كاظم التميمي

google-playkhamsatmostaqltradent