حرب إيران تنتقل إلى المضيق: الأبعاد والآفاق الجيوسياسية
بقلم: اللواء الركن البحري الدكتور عماد العزاوي
مقدمة: تحول ثقل الحرب نحو مضيق هرمز لم يعد أحد، لا في أميركا ولا خارجها، يتكلم عن الأهداف المعلنة للحرب على إيران، بل صار كل التركيز والحديث اليوم عن مضيق هرمز، فثقل الحرب كله انتقل إلى هناك.
![]() |
| حرب إيران تنتقل إلى المضيق: الأبعاد والآفاق الجيوسياسية. |
قلنا في مقالات سابقة إن ميزان القوى بين طرفي الحرب يميل بالمطلق لصالح أميركا وحليفها الكيان، ومن الطبيعي أن تلجأ إيران إلى الميزة الجيوسياسية المتمثلة بساحلها الطويل على الخليج ومضيق هرمز ومقترباته في خليج عمان وتوظيفها لخدمة استراتيجيتها الحربية.
تقديرات "نتنياهو" وفشل المخطط الأولي لترامب
أمر كهذا من المؤكد لم يغب عن بال صانع القرار العسكري والاستخباري الأميركي، لكن إدارة ترامب لم تلقِ له بالاً بخططها الأولية للحرب، مدفوعة بتقديرات نتنياهو ومخابراته التي أكدت لترامب سقوط النظام تحت القصف الجوي المركز قبل أن تتاح له فرصة لعب ورقة المضيق.
إن فشل المفاوضات في إسلام آباد أرغم أميركا على العودة للعمل على "حرب" جديدة هدفها فتح المضيق، وهي حرب حاولت تجنبها لأنها تتطلب جهداً ومخاطر ووقت طويل. وبغض النظر عن تهريج ترامب بأن المضيق غير مهم لأميركا (يمر عبره فقط 1% من وارداتها النفطية)، إلا أنه يمثل التزاماً استراتيجياً لأميركا التي كانت حربها سبباً لإغلاقه، علاوة على أن إنهاء الحرب بدون فتحه يمثل نصراً لإيران وهزيمة لأميركا.
الأسس القانونية والجغرافية للاستراتيجية الإيرانية
طرق الملاحة في المضيق تمر في المياه الدولية والإقليمية لعُمان. إيران تم تدمير كل قطعها البحرية الرئيسية ومراكب زرع الألغام (28 حسب الادعاء الأميركي)، فلجأت إلى وسيلة سهلة لغلق المضيق والتحكم به بآن واحد:
-
زرع الألغام الذكي: هناك معلومات غير مؤكدة بأن إيران سبق لها زرع ألغام في عنق المضيق في وسط الطريق الملاحي الدولي، وهي أيضاً قادرة اليوم على زرع ألغام بطريقة عشوائية باستخدام أية وسيلة سطحية.
-
المسارات البديلة: تركت إيران مسارين ضيقين شمال المسار الأصلي يمران قريباً جداً من سواحلها وضمن مياهها الإقليمية خاليين من الألغام، وأعلنتهما مسارين بديلين.
بذلك ضربت إيران عصفورين بحجر واحد:
-
أولاً: سهولة مراقبة كل السفن المارة حتى بصرياً، وحجز أية سفينة غير مصرح لها، ومنع أية سفينة حربية أو معادية من الدخول.
-
ثانياً: إضفاء الصبغة القانونية لسيطرة إيران على المضيق والمطالبة برسوم مرور بحجة أن السفن تمر من خلال مياهها الإقليمية وليس الدولية.
الرد الأميركي: من "تدمير الحضارة" إلى "الحصار الشامل"
هذا المنطق تعارضه أميركا بالمطلق لأنه يعني أن 800 سفينة وناقلة عالقة اليوم في الخليج لن تخرج إلا بإذن إيران أو بعد دفع رسوم. الرد الأميركي كان إعلان الحصار الشامل البحري على إيران ومنع وحجز السفن المتجهة من وإلى الموانئ الإيرانية.
الحصار البحري في رأيي هو بديل لخطة ترامب الأصلية (بتدمير الحضارة الإيرانية) بسبب همجية هذه الخطوة أولاً (تعتبر وفق القانون الدولي جريمة حرب)، ولأنها إن حصلت ستغلق الطريق على أية تسوية محتملة، في حين الحصار البحري قد يضغط على إيران ويحفز دولاً أخرى مثل الهند والصين للضغط على طهران وإعادتها للمفاوضات.
التداعيات الاقتصادية على إيران والقوى الآسيوية
-
إيران: ستتضرر كثيراً بالحصار لأنه يمنعها من تصدير أكثر من 90% من نفطها، وسيؤثر هذا على سعر العملة والاقتصاد الذي خسر 10% من حجمه بسبب الحرب.
-
الصين والهند: أميركا ستخنق الصين والهند بهذا الحصار كونهما يستوردان كل نفطهما من الخليج، و30% من النفط الصيني من إيران وبأسعار تفضيلية، وهنا يجب أخذ ردود فعل هاتين الدولتين بالاعتبار.
آفاق الحل العسكري وتعقيدات تطهير المضيق
الحصار البحري يستلزم وقتاً طويلاً لظهور أثره، وبقاء المضيق مغلقاً سيرفع أسعار الطاقة عالمياً، لذا يرى ترامب أن يترافق الحصار بإجراءات لتطهير الألغام. تم بالفعل إرسال كاسحتي ألغام وغواصة مسيرة، لكنها لا يمكنها العمل إلا بمساعدة لوجستية وحماية، ولا تزال الحاجة قائمة لمصادر كشف وكسح متطورة تؤمنها دول الناتو وكوريا، والتي تشترط أن يكون دورها دفاعياً فقط.
الخاتمة: حتمية المواجهة ونهاية المسلسل! عملياً، السيطرة على المضيق وتطهيره سيستغرق وقتاً طويلاً وستتخلله جولات من القصد والاشتباكات، فأميركا جعلته الهدف الرئيسي وبه يختتم ترامب حربه بالنصر بعد أن فشل في أهدافه الأخرى.
إيران لن تتخلى عن آخر ورقة بيدها ودونها الموت، لكن في النهاية سيفتح المضيق والخاسر الأكبر هو إيران ثم دول الخليج والعراق ثم العالم، بما فيه أميركا التي سجل لها التاريخ ثالث حرب عدوانية همجية لها في المنطقة.
