الدبلوماسية الإيرانية في عنق الزجاجة: بين قبضة المتشددين وضغط الحرب 🖋️⚖️
بقلم: اللواء الركن البحري الدكتور عماد العزاوي ⚓🎓
المقدمة 📝
لم تعد أزمة الدبلوماسية الإيرانية اليوم مجرد خلاف بين مرونة التفاوض وتشدد الميدان، بل تحولت إلى اختبار مصيري يتعلق باتجاه الدولة الإيرانية نفسها: هل تذهب إلى تسوية تحفظ ما يمكن حفظه، أم تنزلق إلى منطق التشدد الذي قد يفتح الباب نحو مجهول خسائره أكبر؟
![]() |
| الدبلوماسية الإيرانية في عنق الزجاجة: بين قبضة المتشددين وضغط الحرب. |
لقد عرفت الدبلوماسية الإيرانية طويلاً بالبراعة والصبر والقدرة على المناورة والمساومة وكسب الوقت. وقاد هذا النهج دبلوماسيون أكفاء مثل ولايتي وخرازي ولاريجاني وظريف وعباس عراقجي (اليوم)، وشهد الغربيون لهم قبل غيرهم بالكفاءة والاندفاع. لكن الدبلوماسية كانت تستند إلى عنصر حاسم: وجود غطاء سياسي واضح من المرشد الأعلى يضمن وحدة القرار ويمنح المفاوض سقفاً واضحاً للحركة.
أولاً: خارطة الانقسام الداخلي وتبدل المشهد 🇮🇷🔄
أما اليوم فالصورة مختلفة تماماً. بعد مقتل المرشد وتصاعد حدة الحرب والأزمة الحالية، دخلت إيران مرحلة انقسام داخلي واضح بين معسكرين:
-
معسكر متشدد: تقوده بنية الحرس ومؤسسات النظام الصلبة (بدعم محتمل من المرشد الحالي)، ويمتلك اليوم الكلمة الأعلى، ويرى أن أي تنازل في المفاوضات يمس السيادة ويعني انكساراً تحت الضغط، لذلك يتمسك بمنطق الصبر الاستراتيجي والاقتصاد المقاوم ورفض المرونة الواسعة. وهذا سبب لاستبعاد محمد جواد ظريف من المفاوضات باعتباره مرناً أكثر من اللازم والى حد الخيانة بسبب مقالته الأخيرة في مجلة أميركية دعا فيها إيران إلى ابداء مرونة أكثر في برنامجها النووي للوصول إلى اتفاق مع أميركا، وقبلها دعا لوقف دعم إيران "حروب لا تعنيها" في غزة ولبنان. وظريف غير مقرب من الحرس ولم يخدم فيه لأنه هاجر إلى أميركا حين كان عمره 17 سنة وأنهى دراسته الثانوية والجامعية هناك وحصل على الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة دنفر وعائلته تعيش في أميركا.
-
اتجاه دبلوماسي سياسي: تمثله وزارة الخارجية بقيادة عباس عراقجي (عراقجي نفسه قريب من الحرس وخدم فيه 7 سنوات في الحرب مع العراق، تخرج من الجامعات الإيرانية قبل أن يلتحق بالخارجية وحصل على الدكتوراه في القانون من جامعة كنت البريطانية، وأصبح سفيراً لإيران في فنلندا واليابان وعضو وفد التفاوض في الاتفاق النووي سنة 2015)، ويدعمها الرئيس ومؤسسة الرئاسة، يرى أن التوصل إلى اتفاق لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة لتجنيب إيران استنزافاً أكثر ولفتح الطريق أمام تخفيف العقوبات التي أنهكت الدولة والمجتمع معاً.
ثانياً: المأزق الثلاثي القاسي ⚠️⛓️
وهنا تقع الدبلوماسية في مأزق ثلاثي بالغ القسوة:
-
فهي من جهة أولى مقيدة بمطالب المتشددين في الداخل الذين يريدون تفاوضاً بلا تنازلات حقيقية، وقد يؤدي سلوك الحرس العسكري إلى نسف المفاوضات وعودة الحرب من جديد.
-
ومن جهة ثانية تواجه إدارة أميركية متشددة لا تبحث عن تسوية متوازنة بقدر ما تريد اتفاقاً يقترب من معنى الإملاء السياسي.
-
ومن جهة ثالثة تضيق عليها مساحة الوقت نفسها بسبب الحصار البحري والتهديد العسكري الأميركيين، واحتمال انزلاق المفاوضات من ساحة للرد والأخذ إلى ساحة المواجهة المباشرة من جديد.
ثالثاً: غياب رفاهية الوقت والمناورة ⏳📉
المشكلة أن الدبلوماسية الإيرانية التي نجحت سابقاً في المساومة واستخدام الوقت لم تعد تملك رفاهية الوقت ذاته. فالمناورة وحدها لا تكفي عندما يكون الداخل منقسماً، والخارج متصلباً ويملك أوراقاً قوية، والضغط الاقتصادي والوضع الإقليمي في الخليج العربي يتصاعد بوتيرة لا تسمح بتفاوض مريح أو طويل النفس كما كان في السابق.
لذا فإن مهارة المفاوض الإيراني، مهما بلغت تبقى محدودة إذا كان يتحرك تحت سقف داخلي منخفض وفي مواجهة مطالب أميركية مرتفعة إلى حد يكاد يفرغ التفاوض من معناه المتوازنة.
رابعاً: الدبلوماسية كأداة لاستثمار القدرة الشاملة 🌍💡
السؤال الجوهري اليوم ليس فقط: هل ستنجح المفاوضات؟ بل من الذي سيحسم الاتجاه الإيراني النهائي؟ حين كنت أحاضر في مادة العلاقات الدولية في كلية العلوم السياسية لمرحلة الدكتوراه، كنت أقول لطلابي (وفي ذلك تلميح مبطن لأحداث العراق حينها):
إن القدرة الشاملة للدولة ليست مجرد مجموع مواردها البشرية والاقتصادية والعسكرية والجغرافية... الخ، وإنما في قدرة الدبلوماسية على ترتيب واستثمار هذه القدرات وتوجيهها باتجاه تحقيق مصالح الدولة، أو تهدرها إن عجزت عن استثمارها.
بعبارة أخرى تستطيع الدبلوماسية استثمار النصر في الحرب لتحقيق مصالح الدولة، أو تحويل النصر إلى خسارة، وتحويل الخسارة في الحرب إلى نصر دبلوماسي أو تقليل أثر الخسارة على مصالح الدولة.
خامساً: واقعية العقل التفاوضي مقابل عبء التشدد 🧠🛡️
هذه القاعدة تنطبق على إيران بوضوح شديد: المشكلة ليست في غياب عناصر القوة بل في كيفية توظيفها، هل تدار بعقل تفاوضي واقعي، أم بعقل تشددي قد يحول القوة نفسها إلى عبء استنزاف؟ في المحصلة، تبدو الدبلوماسية الإيرانية اليوم في عنق زجاجة فعلاً.
فهي لا تتحرك بين مرونة مريحة وتشدد مضبوط، بل بين ضغوط داخلية خانقة ومطالب أميركية قاسية ووقت يضيق بسرعة أمام أحداث متسارعة.
الخاتمة: محددات المرحلة المقبلة 🏁
إن مصير المرحلة المقبلة يعتمد على أمرين:
-
مهارة المفاوضين: وحسن استثمارهم حتى لعناصر الضعف هذه في بيئتهم التفاوضية؛ اللعب على سردية وجود جناحين متشدد ومرن في القيادة الإيرانية، عامل الوقت مثلما يضغط على إيران فهو يضغط أيضاً على إدارة ترامب، كلفة الحرب أعلى بكثير من كلفة الاتفاق، وارتفاع الأسعار والضغط الدولي وانتخابات الكونغرس النصفية القريبة، استمرار غلق مضيق هرمز وآثاره العالمية التي تجعل من الحل الدبلوماسي هو المفضل على العمل العسكري.
-
قدرة النظام الإيراني على حسم خياره: اتفاق يخفف الكلفة ويحفظ الدولة، أم تشدد يرفع شعار الصمود لكنه يقود إلى مواجهة أوسع وأشد خطراً على إيران والمنطقة معاً.
اللواء الركن المهندس البحري الدكتور عماد العزاوي 🏛️📧
