📻 ماركوني شهربان (محمد عثمان النجار): رحلة عبقرية من صومعة الصوت إلى خبير الإذاعات العراقية
بقلم: مالك المهداوي.
في سجلات الإبداع العراقي، تبرز قامات عصامية سبقت عصرها بفكرها العلمي والتقني، فيسخر الله لها من يقدر عبقريتها ويثني على تميزها. ومن بين هؤلاء الرجال المبدعين، يتألق اسم الراحل محمد عثمان النجار (الدوري النعيمي)، الذي حظي بلقب "ماركوني شهربان"؛ وهو لقب أطلقتُه عليه شخصياً تيمناً بالعالم العالمي مخترع الراديو، لما رأيت فيه منذ صباه من شغف فريد وعشق لا ينتهي بعالم الصوتيات، والتسجيل، وهندسة الإذاعة، ليكون بحق "ماركوني" مدينتنا الحبيبة وفناناً فذاً بالفطرة. ✨
![]() |
| ماركوني شهربان (محمد عثمان النجار): رحلة عبقرية من صومعة الصوت إلى الإذاعات العراقية. |
🏡 الولادة والنشأة في ربوع قرية سلامة
ولد محمد عثمان النجار في بداية الخمسينيات من القرن الماضي في مدينة شهربان العريقة، وترعرع في أحضان قرية سلامة الطيبة. في تلك البيئة الريفية الأصيلة، نشأ بين جيران كرام؛ حيث كان جيرانهم بيت "مجيد عاصية". ومن رحم تلك الأيام وتلك الجيرة المباركة، نمت علاقة صداقة وزمالة وثيقة جمعتني مع أخيه الأصغر أحمد عثمان، ومع الصديق رياض مجيد عاصية؛ وهي ذكريات محفورة في الذاكرة عن جيل نقي ومكافح. 🌱
🪵 الجمع بين المهنة والهواية: من النجارة إلى عالم الصوتيات
بدأ محمد حياته العملية مبكراً، حيث عمل في مهنة النجارة مع والده، متعلماً منها الصبر، والدقة، وهندسة الأشكال والخطوط. ولكن، إلى جانب كسب عيشه وعمله اليومي، كان يمارس شغفاً فريداً ومميزاً تمثل في هواية اقتناء وتجميع الأجهزة الصوتية. 🛠️
وكانت بداياته في زمن كانت فيه وسائل التسجيل شحيحة ومعقدة، وتحديداً قبل ظهور أشرطة الكاسيت وأجهزة المايكروفون الحديثة. فقد كان حريصاً منذ صباه على اقتناء أجهزة البكرات القديمة والأشرطة الكبيرة المفتوحة (Reel-to-Reel)، والتي كانت تتطلب دقة فائقة في التعامل والتشغيل، مما منحه فهماً عميقاً لفيزياء الصوت وهندسة البث التناظري سبَق به أبناء جيله، وجعلني أرى فيه عبقرية "ماركوني" مبكراً. 📼
✒️ فنان بالفطرة: جمال الخط وعين المصور اللماحة والأرشيف الهندي
لم تقتصر عبقرية الراحل محمد عثمان النجار على الجانب الهندسي والتقني فحسب, بل كان إنساناً موهوباً وفناناً بالفطرة تشهد له بصيرته الفنية؛ فقد حباه الله بـ خط عربي جميل وراصّ ينم عن تذوق رفيع للفنون الإنسانية، إلى جانب امتلاكه عيناً فوتوغرافية لماحة تجيد التقاط الصور المتميزة واقتناص الكادرات الإبداعية. كما كان يعشق الأفلام الهندية القديمة ويمتلك أرشيفاً ضخماً ونادراً لها يعكس اتساع مداركه الثقافية والفنية. 📸🎬
💬 شباك المحلة الحميم: شهادة الأستاذ سلام أبو تغلب
ويعاضد هذه المسيرة العطرة الأستاذ سلام أبو تغلب بشهادة وجدانية تفيض بالحب والوفاء، واصفاً إياه بمعاينة صادقة وقريبة:
💼 صومعة "مجمع المشن" وعضوية لجنة الاستيراد العالمية
تجلت الاحترافية الرسمية لـ "أبو هيثم" من خلال عمله في شركة الأجهزة الإلكترونية (في الداودي - مجمع المشن) وتحديداً في قسم الصيانة، حيث كان عضواً بارزاً ومؤثراً في لجنة استيراد الأجهزة الصوتية والمرئية في العراق.
في كل عام، كانت الشركات العالمية الكبرى مثل (ناشنال، وسانيو، وأكاي، وكروندك، وتوشيبا، ورايزنك، وفيلبس) ترسل نماذج من أحدث ابتكاراتها إلى وكلائها في الدول للاطلاع وتثبيت الاحتياجات. وهنا كان يتجلى دور "أبو هيثم" في فحص كفاءة هذه الأجهزة، وكان له باع طويل ونظرة ثاقبة في اختيار الأجهزة الصوتية المتينة؛ والتي ما زال بعضها يعمل بكفاءة في بيوت العراقيين حتى يومنا هذا رغم مرور عقود من الزمن عليها. 🛠️
🇯🇵 رحلة اليابان: المعجزة العراقية التي أبهرت مهندسي شركة "رايزنك"
نظراً لكفاءته الاستثنائية، استضافت الشركات العالمية موظفي الصيانة لتدريبهم في المقرات الأم، وتم إرسال "أبو هيثم" إلى شركة رايزنك (Rising) في اليابان، في وقت كان العراق قد استورد فيه كميات ضخمة من راديو ومسجل هذا الصنف، وكانت قيمة الإيفاد في حينها تبلغ مبلغاً ضخماً يعادل 112,700 دينار عراقي (بسعر الدولار آنذاك). ✈️
![]() |
| جهاز رايزنك الياباني القديم الذي وجد فيه بطلنا العيوب. |
وفي اليوم الثاني لوصوله، زار مقر الشركة بصحبة أحد مهندسي الشركة الأم ودخل قاعة التدريب. وأثناء الدورة، فاجأ "أبو هيثم" المهندس المحاضر الياباني بقوله: "إن هناك خطأً فادحاً في صناعة هذا الجهاز ويجب معالجته!".
توقف المهندس الياباني مصدوماً، واصطحبه فوراً إلى "جروب" مهندسي الإنتاج في غرفة تحتوي على نموذج مجسم ضخم للجهاز موضوع على منضدة كبيرة. وسألوه: "أين الخطأ؟" ففصّل لهم العبقرية العراقية الآتي:
-
تشخيص المشكلة: الجهاز يحتوي على مكبر صوت (Amplifier) بقوة 20 واط، ولديه سماعتان خارجية كل واحدة بقوة 10 واط. وفي واجهة الجهاز مفتاح يتيح للمستخدم ربط إما سماعتين أو 4 سماعات.
-
الخلل المصنعي المدمّر: وبما أن العراق استورد سماعات إضافية، فإن المواطن كان يربط 4 سماعات (بقوة إجمالية تصبح 40 واط)، مما يؤدي فوراً إلى عطب دائرة التكبير وإحداث أضرار بالمنظومة الكهربائية للمنزل، لعدم وجود دائرة حماية ذكية (فيوز حماية للدائرة الصوتية).
-
الحل العبقري المبتكر: صمت المهندسون اليابانيون وأخذوا ينظرون لبعضهم باحترام وذهول، وسألوه: "وما العمل؟". أشار "أبو هيثم" إلى النموذج، وقام برفع الفيوز ووضعه في دائرة دخول مصدر الطاقة، وألغى المفتاح الذي يتيح استخدام 4 سماعات (بحيث تُجبر الشركة على إرسال سماعات بقدرة 5 واط للسماعة الواحدة ليكون المجموع 20 واط في الوضع السليم).
أخذت شركة "رايزنك" بملاحظته فوراً في خط إنتاجها التالي، وقدموا له كتاب شكر وتقدير رفيع، وحوّلوا دورته التدريبية إلى جولة سياحية فاخرة، بل وعرضوا عليه العمل معهم في اليابان برواتب مغرية لكنه رفض حباً بوطنه، وعاد محملاً بكتب الشكر من عدة شركات عالمية. 🏆🇯🇵
🚗 كشف لغز مسجلات السيارات وكتاب الشكر الثاني
في محطة إبداعية أخرى، استورد العراق كميات ضخمة من راديو ومسجل السيارة (في وقت كانت فيه أغلب السيارات تحتوي راديو فقط). وبعد أسبوعين من البيع، بدأت الأجهزة تتدفق بكثرة على وحدة الصيانة دون معرفة الأسباب؛ إذ كان العطل يقتصر على احتراق "الفيوز" فقط دون مبرر واضح!
تدخل "أبو هيثم" وطلب مقابلة أحد الزبائن بنفسه واستعلم كيفية حدوث العطل، فقال له المواطن: "الجهاز يعمل بشكل طبيعي، لكن عندما تسير السيارة في شارع غير مبلّغ (مطبات) يصمت الجهاز فجأة ولا يعمل!".
أخذ "أبو هيثم" الجهاز إلى ورشته، وفككه بدقة ليكتشف خطأً مصنعياً عجيباً: وجود مفتاح (سويج) يحمل فولتية موجبة قريباً جداً من جسم الجهاز المعدني الذي يحمل الفولتية السالبة، وعند اهتزاز السيارة في المطبات يلامس الموجبُ السالبَ فيحترق الفيوز فوراً! قام بتغيير مكان السويج، وأبلغ الشركة المصنعة بالخطأ، فأرسلت له الشركة كتب شكر وهدايا ثمينة تقديراً لإنقاذه سمعة منتجاتهم في الأسواق المحلية. 📦🚙
🍉 مواجهة خبير شركة "سانيو" (Sanyo) وجهاز محلات الشربت والمقاهي
استورد العراق جهاز راديو ومسجل كاسيت ضخم ومحمول من شركة سانيو اليابانية، وكان مفضلاً لدى أصحاب المقاهي العامة ومحلات الشربت. بعد فترة، بدأت الأجهزة تتدفق للصيانة بسبب توقف المسجل نتيجة تأثر "قايش اللودنك" (الذي يرفع ميكانيك الهيد ودوران الكاسيت) بحرارة الجو العالية في العراق.
![]() |
| راديو ومسجل سانيو الذي اجبر محمد النجار تغيير واجهته. |
وعلى الرغم من أن القايش التالف لا يتجاوز ثمنه في حينها (درهماً واحداً - 50 فلساً)، إلا أن تبديله من قِبل فني محترف كان يستغرق أكثر من 5 ساعات لتعقيد فتح الجهاز! كتب "أبو هيثم" تقريراً حاداً لمسؤول الشركة واصفاً الجهاز بأنه "فاشل لا يلائم أجواءنا".
أرسلت شركة سانيو خبيراً يابانياً خصيصاً إلى بغداد، وعند وصوله استدعي "أبو هيثم" لمناقشته، فجلب له جهازاً عاطلاً وقال للخبير الياباني: "استبدل القايش بنفسك!". بدأ الخبير العمل في الساعة التاسعة صباحاً ولم ينتهِ إلا قبيل نهاية الدوام (في الساعة الثانية بعد الظهر)!
هنا ابتسم "أبو هيثم" وقال له بثقة: "أنت الخبير واستغرقت كل هذا الوقت.. فماذا عن موظفي الصيانة لو أتاهم 10 أجهزة يومياً؟ سيتعطل العمل، وما هو الأجر الذي يمكن تقاضيه عن قايش ثمنه درهم؟ على الشركة تغيير واجهة المسجل ليسهل الوصول للقايش دون العبث بالجهاز". وبالفعل، أذعنت الشركة العملاقة لرؤيته الهندسية.
🏆 "الخبير الصوتي الأول" وعصر العمالقة والأشرطة
لم يقف طموح "أبو هيثم" عند حدود الهواية، بل نال بجدارته لقب "الخبير الصوتي على مستوى العراق". ومن المحطات الفنية المضيئة في حياته، تعاقده مع "شركة بابل للإنتاج والتوزيع الفني"—التي كانت بمثابة شركة (روتانا) في وقتنا الحاضر وكان يُطبع فيها لكبار مطربي العالم العربي—حيث تولى هندسة وصيانة أجهزة "الدوبليكينر" وأجهزة "البانكنك" المعقدة التي تقوم بتعبئة الكاسيتات وطباعتها وتسويقها.
امتدت عبقريته الفنية لتشمل صيانة أجهزة مكاتب ومستودعات الفنان الكبير كاظم الساهر، وتسجيلات "الرواد" بالمنصور، ومكاتب "الدار البيضاء"، وتسجيلات "هشام" الذي كان صديق عمره وأقرب المقربين إليه، بالإضافة إلى إشرافه التقني على كبريات مكاتب التسجيل في بغداد والمحافظات كافة. 🎛️✨
💻 الثورة الرقمية: غوص من "الأنالوج" إلى استوديوهات إذاعة بغداد
حينما دارت عجلة التطور التكنولوجي وتحولت الأنظمة الصوتية من الحالة التناظرية (Analog) إلى الحالة الرقمية (Digital)، لم يتراجع "أبو هيثم" بل غاص بشغف وإصرار في مجال الكمبيوتر والبرمجيات. وبدأ بتأسيس حاسبة متطورة تحوي أحدث برامج الهندسة الصوتية والمونتاج، وكان يسهر وحيداً حتى الرابعة فجراً يفك شفراتها ويبدع في أسرارها، ورغم أنه لم يدرس الحاسوب على يد أحد، إلا أنه وصل فيه إلى مرحلة متقدمة من العبقرية والاحتراف الذاتي. 🖥️🚀
قاده هذا التميز الرقمي للتعاقد مع إذاعة ديموزي بصفة مخرج ومهندس صوت، حيث أدار بنجاح برامج كثيرة بُثت على الهواء مباشرة. بعدها، انتقل إلى الشبكة الرسمية ليتعاقد مع شبكة الإعلام العراقي (إذاعة بغداد)، فجذب الأسماع بإخراجه المتميز، وبصمته الفريدة في نقاوة الصوت وعذوبته، وظل يعمل بكل إخلاص وإبداع.
🎖️ التكريم الرسمي الأكبر وتخليد الاسم بقاعة الإذاعة
وتتويجاً لهذه المسيرة الأسطورية، تم اختياره رسمياً من قبل شبكة الإعلام العراقي وتكريمه باعتباره "الخبير الصوتي الأول في جمهورية العراق". ولم يتوقف العرفان والتقدير عند هذا الحد؛ بل إنه عند رحيله المفاجئ وفاءً لعطائه الطويل وتخليداً لذكراه الطيبة التي لا تغيب، قررت إدارة الشبكة تسمية إحدى كبرى قاعات الصوتيات الإذاعية باسم "قاعة أبو هيثم محمد عثمان الدوري"، لتظل روحه وأصداؤه حاضرة تلهم الأجيال القادمة من مهندسي الصوت والمخرجين العراقيين. 🏛️🎙️
✒️ فنان بالفطرة: الموسيقى والخط وعين المصور اللماحة
لم تقتصر عبقرية الراحل محمد عثمان النجار على الجانب الهندسي والتقني فحسب، بل كان إنساناً موهوباً وفناناً شاملًا تشهد له بصيرته الفنية؛ فقد حباه الله بـ خط عربي جميل وراصّ ينم عن تذوق رفيع للفنون الإنسانية، إلى جانب امتلاكه عيناً فوتوغرافية لماحة تجيد التقاط الصور المتميزة واقتناص الكادرات الإبداعية. كما كان يعشق الأفلام الهندية القديمة ويمتلك أرشيفاً ضخماً ونادراً لها يعكس اتساع مداركه الثقافية والفنية. 📸🎬
وما لا يعرفه الكثيرون عن جانبه الإبداعي السري، هو أنه كان موسيقياً بارعاً يعزف باحترافية عالية على آلة "الأكورديون"، محولاً نغماتها الشجية إلى لغة تحاكي روحه المرهفة. ولم يقف عند حدود العزف، بل كان خبيراً متبحراً في "المقامات العراقية" الأصيلة؛ يمتلك القدرة الفذة على تصنيفها وفك شفراتها النغمية المعقدة، والتمييز اللحظي لأي مقام يقرأ عليه القارئ أو يغني منه المطرب. هذه الأذن الموسيقية المطلقة وهذا الحس الفني الرفيع هما السر الحقيقي وراء عبقريته اللاحقة في استوديوهات الصوت؛ فقد كان يتعامل مع الترددات الصوتية بحس الموسيقي المبدع لا بآلية المهندس الجاف. 🎹🎵
![]() |
| فوزي رحماني ورائد عبد عيد و محمد عثمان. |
💬 وفاء الأصدقاء: شهادة رفيقه الأستاذ رعد الزبيدي
ويقول رفيق دربه وصديقه المقرب الأستاذ رعد الزبيدي في شهادته المؤثرة:
ولأن المبدعين تلتقي أرواحهم في مواطن الثقافة، كانت ملامحه حاضرة أيضاً في أروقة شارع المتنبي ببغداد، حيث تشرفتُ بلقائه هناك مرتين، وفاض الحديث بيننا بوعاء الذكريات وشجون التقنية والزمن الجميل، قبل أن يفجعنا خبر وفاته المفاجئ.
رحم الله أبو هيثم محمد الدوري النعيمي وأسكنه فسيح الجنان. 🤲🖤
📌 توصية للقراء (Readers Recommendation):
عزيزي القارئ: إن الحفاظ على تراث المبدعين وسير الرواد الأوائل هو مسؤولية جماعية تشترك فيها الأجيال. ندعوكم لمشاركة هذا المقال والتعليق بذكر أي مواقف أو ذكريات تجمعكم بالراحل المبدع "أبو هيثم"، ليبقى اسمه محفوراً في ذاكرتنا الثقافية والاجتماعية كنموذج ملهم في العصامية والابتكار الفني والهندسي.




