🌐 الدولة والمصالح: لماذا لا تساعد الدول أحداً مجاناً؟ 🌐
📝 ملاحظة تحليلية
✍️ اللواء الركن عماد صادق العزاوي (باحث في الدراسات الاستراتيجية)
💬 في مقالتنا السابقة عن الحرب في ايران ، طرح بعض الاخوة المعقبين تساؤلات مشروعة ، منها : هل كان لايران ان تضرب من اميركا واسرائيل لو لم تتدخل لمساعدة المقاومتين اللبنانية والفلسطينية ؟
🧩 جوابنا ، يظن البعض أن مساعدة دولة ما لدولة أخرى، أو لحركة مقاومة، أو لحزب، أو حتى لحركة انفصالية، إنما هي فضلٌ منها وجميلٌ أخلاقي تدفع ثمنه لاحقاً حين تتعرض للأذى من قوة عظمى .
![]() |
| الدولة والمصالح: لماذا لا تساعد الدول أحداً مجاناً؟ |
❌ وهذه نظرة ساذجة إلى حد بعيد، لأنها تتعامل مع الدولة كما لو كانت جمعية خيرية عابرة للحدود ، توزع العون حباً في الله وانتصاراً مجرداً للقيم العليا. والحقيقة أن الدولة — أيّ دولة — لا تتحرك خارج حدودها إلا حين ترى في ذلك مصلحة وطنية عليا، مباشرة أو مؤجلة، معلنة أو مستترة .
🚩 نماذج تاريخية: الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة
☭ الاتحاد السوفييتي السابق قدّم دعماً واسعاً لحركات التحرر الوطني والدول الحديثة الاستقلال، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وتحمّل نتيجة ذلك أكلافاً باهظة.
🎯 لكن هذا الدعم لم يكن عملاً احسانيا مجردا ، بل كان جزءاً من استراتيجية كبرى ترمي إلى نشر عقيدته عبر العالم، وتوسيع مجاله الحيوي، ومحاصرة المعسكر الغربي في معاقل نفوذه وإضعافه .
🇺🇸 وكذلك الحال مع الولايات المتحدة، فهي لا تتدخل لحماية حلفائها في العالم، ولا تدافع عن الناتو فقط بدافع أخلاقي يتعلق بحماية قيم الحرية والحضارة الغربية، كما تحب أن تروّج، بل لأنها تدرك أن زعامة العالم ليست لقباً شرفياً، بل مصدر امتيازات جيوسياسية واقتصادية واستراتيجية هائلة .
🛡️ ومن ثم فهي لا تحمي حلفاءها فقط، بل تحمي موقعها القيادي نفسه، وتمنع بصلابة ظهور قوى منافسة تهدد هذا الموقع أو تنازعها ثماره.
🇮🇶 التجربة العراقية والإقليمية
🦅 العراق هو الآخر سعى، في مرحلة من مراحله، إلى مساعدة دول عربية وإفريقية وحركات مقاومة، لا بوصفه فاعل خير إقليمياً، بل لأن ذلك كان جزءاً من ايديولوجية نظامه وسعيه إلى تعزيز دوره العربي والإقليمي، وتوسيع دائرة تأثيره، وبناء صورة دولة محورية لا دولة تابعة.
🇮🇷 إيران والمقاومة: تفكيك مفهوم "المجال الحيوي"
📦 وبالمنطق نفسه، فإن وقوف إيران إلى جانب المقاومتين اللبنانية والفلسطينية لا ينبغي أن يُقرأ قراءة عاطفية أو تبسيطية، وكأنه مجرد اندفاع أخلاقي ( مع الاقرار بوجوده )أو نصرة مجانية لقضية عادلة .
📜 فالحقيقة الأعمق أن تصدير الثورة كان منذ البداية ركناً تأسيسياً في عقيدة النظام الإيراني بعد 1979، وأن هذا النظام سعى إلى تكريس دول الجوار القريب والبعيد بوصفها مجالاً حيوياً لإيران، يثبت من خلاله حضورها الإقليمي الجديد، ويقيم عبره طوقاً أمنياً خارجياً يبعد التهديد عن الداخل الإيراني نفسه .
⚙️ وهذا لم يكن عرضاً في السلوك الإيراني، بل جوهر عقيدته السياسية والأمنية كما فهمت مصلحتها الوطنية العليا.
📐 المجال الحيوي للدولة (Lebensraum من الالمانية او Living space بالانكليزية الحديثة) ، هو مفهوم جيوسياسي واستراتيجي يعبر عن النطاق الجغرافي المحيط بالدولة ويعتبر امتدادا طبيعيا وضروريا لامنها القومي وتأمين نموها ومصادرها الاقتصادية وغيره .
⚡ حتمية الصدام بين القوى الصاعدة وقوى الهيمنة
💥 ومن هنا، فإن تصادم هذه المشاريع التوسعية أو الطموحات الإقليمية — كما في حالتي العراق وإيران — مع مصالح قوى إقليمية ودولية منافسة، كان أمراً طبيعياً بل محتوماً .
🗺️ فالقوى الكبرى لا تقبل بسهولة بصعود فاعلين إقليميين يحاولون بناء محاور مستقلة، أو توسيع مجالاتهم الحيوية، أو امتلاك أوراق نفوذ تغيّر توازنات القوة . وعندما تتقاطع طموحات دولة صاعدة مع خرائط النفوذ التي ترسمها قوى الهيمنة، فإن الصدام يصبح جزءاً من منطق السياسة لا استثناءً عليه .
⚖️ لذلك فالصراع في الشرق الأوسط ليس صراع قيم ومبادئ كما يُسوَّق أحياناً، بل هو في جوهره صراع مصالح ، وموازين قوة، ومجالات نفوذ . ومن يظن أن الدول تتحرك بدافع النبل المجرد أكثر مما تتحرك بدافع المصلحة، فذلك لأنه ما زال يقرأ السياسة بعين الواعظ لا بعين الاستراتيجي.
