✍️ خوام مهدي صالح الزرفي: رحلة حياة بين لغة الضاد، حكمة الإدارة، وأصالة العقال
بقلم: مالك عبد القادر المهداوي
في رحلة العمر الممتدة، نلتقي أحياناً بأشخاص استثنائيين يعبرون إلى أعماق أرواحنا من بوابة الحرف الصادق والكلمة الوازنة قبل أن تراهم العين. والأستاذ والشيخ خوام مهدي صالح الزرفي هو أحد هؤلاء الرجال النبلاء والرموز الأوفياء الذين جمعتني بهم مواهب ثلاث تكاد تكون بوصلة موحدة وقاسماً مشتركاً أثيراً في حياتنا: حب الكتابة الرصينة، وعشق خدمة الناس، والوفاء المطلق للوطن.
![]() |
| خوام مهدي صالح الزرفي: رحلة كفاح تربوية وعشائرية من قرية ضباب إلى لندن. |
بدأت حكايتي مع قمله الذهبي السيّال قبل نحو تسع سنوات من الآن، وتحديداً حين وقعت عيناي على مقال تاريخي وسياسي شديد الدقة والعمق كتبه عن الشخصية الوطنية والسياسية الراحلة رئيس وزراء العراق الأسبق (طاهر يحيى). منذ تلك اللحظة الفارقة، ولدت بيننا آواصر علاقة إنسانية وفكرية صادقة لم تزدها الأيام العاصفة إلا عمقاً ورسخاً.
كنت قد سمعت كثيراً باسمه اللامع يتردد في الأوساط الثقافية والتربوية، لكن لم يتسنَّ لي لقاؤه شخصياً، وحين قررت الاتصال به هاتفياً للمرة الأولى، غمرني بنبل أخلاقه العالية وحفاوة ترحيبه الأخوي، لتنطلق من تلك المكالمة رحلة ممتدة من "الإدمان الفكري" والتعلق بكل ما يخطه هذا القلم الأثير الحاضر في الوجدان والثقافة العراقية 🤍.
🌍 من قرية ضباب إلى مدينة الضباب.. سيرة تربوية عطرة عبر القارات
تضرب جذور الأستاذ خوام مهدي صالح الزرفي في أصالة الأرض العراقية الطيبة وعمق ريفها المعطاء؛ حيث شهدت قرية ضباب ولادته المباركة في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، لينطلق منها شاباً طموحاً متسلحاً بالإرادة والشغف اللامحدود بالعلم والمعرفة، حتى كلل مسيرته بالتخرج في كلية التربية بجامعة بغداد عاصمة الأدب والعلوم.
حمل الأستاذ خوام لواء التعليم والتربية بكل أمانة وإخلاص كرسالة مقدسة لا مجرد وظيفة، فبدأ مسيرته مدرساً قديراً يغرس القيم الإنسانية والوطنية في نفوس أجيالنا، ثم تدرج بفضل كفاءته الإدارية ليصبح مديراً متميزاً لـ متوسطة الشعب في الحساوية.
ولأن التميز الحقيقي لا تحده حدود الجغرافيا، فقد اختصرت رحلته المهنية المسافات والمفارقات التاريخية؛ فمن قرية ضباب الهادئة في أطراف الوطن، حطت به الرحال في عاصمة الضباب العالمية، ليتولى إدارة المدرسة العراقية في لندن 🇬🇧.
هناك، في بلاد المغترب وتحت ظلال "ساعة بيغ بن"، حمل اسم العراق الشامخ وثقافته العريقة بكل فخر واقتدار، محولاً المؤسسة التعليمية إلى منارة ثقافية تجمع المغتربين وتربطهم بهويتهم الأم، مجسداً أروع صورة للمستشار التربوي والتربوي الحقيقي في بريطانيا وأوروبا. (قرية الرشادة عابرة الزمن).
وبعد هذه الرحلة الدولية الحافلة بالعطاء بين ضفاف دجلة والتايمز، عاد إلى أرض الوطن متوجاً بالخبرة العالمية ليواصل خدمته التربوية والاجتماعية في ربوع المقدادية (شهربان)، تاركاً خلفه إرثاً تعليمياً زاخراً تفخر به الأجيال المتعاقبة 📚.
⚖️ من "لبس الأفندية" إلى أصالة الزي العربي وحكمة المشيخة العشائرية
اليوم، وبعد عقود طويلة وحافلة من العطاء الأكاديمي بالبدلة الرسمية و"لبس الأفندية" في أروقة المدارس والمحافل الدولية، اختار الأستاذ خوام العودة الكاملة إلى الجذور والأصالة الاجتماعية، فصارت الهيئة العربية الأصيلة بعباءتها الحساوية وعقالها الهيبة هي لباسه اليومي وهويته الثابتة. ولم يكن هذا التحول النبيل في المظهر الخارجي فحسب، بل غدا شيخ عشيرة مبجلاً، ورجلاً حكيماً ذا وجاهة يقصده القاصي والداني طلباً للنصيحة والمشورة.
يتميز الشيخ خوام بحضوره الاجتماعي المؤثر والفاعل في مجتمعه، حيث يقضي جل وقته في حل مشاكل الناس، والتواصل المستمر مع العائلات، وإصلاح ذات البين، وفض النزاعات العشائرية بروح العدالة والإنصاف. لقد أصبح الأستاذ والشيخ خوام مرجعاً اجتماعياً ومستشاراً حكيماً يُستشار في المواقف الصعبة والمشهد المجتمعي المعقد، لما يمتلكه من حكمة السنين، وعمق التجربة الدولية، ورجاحة العقل والاتزان السياسي 🤝.
📚 قلمٌ ذهبي يتنقل بين التراث والسياسة وعلم الاجتماع
لقد تشرفت كثيراً وما زلت، بأن تكون "مجلة شهربان الإلكترونية" النافذة الثقافية الأولى والملاذ الأمثل لنشر مقالات الأستاذ خوام الزرفي الإبداعية. لم يكن الأستاذ خوام يوماً كاتباً عابراً أو سطحياً، بل هو باحث موسوعي ومفكر أصيل لم يدخر يوماً مخزون معرفته الواسعة وقراءاته المعمقة في ترجمتها إلى مقالات حية نابضة بالوعي تحاكي الماضي وتفكك تفاصيل الحاضر.
يتنقل قلمه الرشيق بسلاسة مدهشة وتحليل أكاديمي رصين بين عبق التراث الشعبي العراقي، وتعقيدات السياسة الدولية والتاريخ المعاصر، وأعماق علم الاجتماع السوسيولوجي. إنه يملك قدرة نادرة وفائقة على تفكيك الظواهر الاجتماعية بروح ناقدة وعين الخبير المجتمعي، محولاً المشاهدات اليومية والتاريخية العابرة إلى دروس فكرية وفلسفية نابضة بالحياة تهم كل قارئ وباحث عربي يزور شبكة الإنترنت.
🕋 من سطور المقالات إلى أرض الواقع: حادثة مركز شرطة الحرم المكي الشريف
ولعل من أروع ما يميّز كتابات وأطروحات أخي وصديقي الأستاذ خوام، أنها كتابات حية تلتصق بالذاكرة البشرية وتُستحضر تلقائياً في المواقف الحياتية اليومية والرحلات الدولية. أذكر له في هذا الصدد مقالاً نقديّاً عبقريّاً فصّل فيه أصناف "الشيوخ" وقسّمهم بطريقة سوسيولوجية ممتعة وذكية بين شيخ الأصالة وشيخ المظاهر. هذا المقال الاجتماعي الفاخر تحديداً كان يرافقني ذهنيّاً وبقوة خلال زيارتي السابقة إلى الديار المقدسة في المملكة العربية السعودية لأداء مناسك العمرة 🕋.
فحين كنت هناك، وتحديداً أثناء مراجعتي لـ مركز الشرطة داخل الحرم المكي الشريف، حدث موقف عجيب جسّد لي عمق ذلك الطرح الاجتماعي الدقيق. فعندما علم الضباط السعوديون الأفاضل في المركز بكوني زائراً عراقياً وتعرفوا على طبيعة عملي العسكري السابق كضابط ومسيطر رادار في القوة الجوية العراقية، غمروني بكرمهم العربي الحاتمي وحفاوتهم البالغة، ونقلوني فوراً من طابور المراجعين الواقفين أمام شباك المراجعة الخارجي إلى داخل مكاتبهم الإدارية معززاً مكرماً بترحيب حار تعجز كلمات الشكر عن وصفه تعبيراً عن حبهم لأهل العراق ولأصحاب الرتب العسكرية.
وأثناء حديثنا الأخوي الشائق والممتع، دخل إلى المكتب شاب من دولة تركمانستان كان يرتدي الدشداشة والعقال السعودي بشكل غير متناسق، وكان يظن في نفسه أنه يمتلك هيبة "الشيخ العدل" بمجرد ارتدائه لتلك الهيئة، مما دفع الضباط الحاضرين بكل عفوية لملامسة عقاله وتعديله له وسط ابتسامة لطيفة. في تلك اللحظة الحية، قفز إلى ذهني فوراً مقال الأستاذ خوام الزرفي وتصنيفه الذكي والتهكمي لأصناف الشيوخ، فطرحت فكرته وتحليله الاجتماعي على الضباط السعوديين في الحرم المكي، والذين تفاعلوا مع التحليل بالضحك والإعجاب الشديد بثقافة الكاتب العراقي، وأيدوا هذا الطرح الاجتماعي المحترف. وكانت تلك اللحظة الثقافية العفوية سبباً مباشراً في بناء علاقات طيبة وصداقات دولية نعتز بها إلى اليوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعالم الفيس بوك 🤝.
💡 توصية خاصة وتوجيه للقراء الأعزاء (Editor's Recommendation)
✨ نصيحة وتوصية ذهبية من رئيس التحرير: إلى كل باحث ومتابع لشؤون التراث والسياسة الدولية، وإلى كل طالب علم يبحث عن الكلمة الصادقة والتحليل الاجتماعي والتربوي العميق؛ نوصيكم في إدارة الموقع بشدة بمتابعة وقراءة الأرشيف الكامل لما يكتبه القامة والشيخ خوام الزرفي. إن القراءة له ليست مجرد تزجية عابرة للوقت، بل هي سياحة فكرية استشارية تزيد من وعيك بالتاريخ وتمنحك نظرة أعمق وفهماً شاملاً للحاضر والمستقبل. ستجدون مقالاته الفاخرة دائماً تتصدر محركات البحث وصفحات مجلة شهربان الإلكترونية.
في الختام، إن الأستاذ والشيخ خوام مهدي صالح الزرفي ليس مجرد كاتب عابر نمر على سطوره مرور الكرام، بل هو قامة فكرية وتربوية وعشائرية شاهقة، وأخ عزيز نعتز بوجوده في مسيرتنا. قلمٌ يكتب بمداد الغيرة الحقيقية على الوطن، وينبض بحب الناس الخالص، وستبقى كتاباته وسيرته العطرة دائماً مناراً فكرياً ومادة دسمة نعتز بها في مسيرتنا الثقافية والتعليمية 🌹.
