recent
أخبار ساخنة

الملكة غيرترود بيل | ملكة الصحراء التي صنعت بعض ملامح العراق الحديث "الذكرى المئوية"

Writer Malik Al-Mahdawi
الصفحة الرئيسية

الملكة غيرترود بيل | ملكة الصحراء التي صنعت بعض ملامح العراق الحديث (الذكرى المئوية 1926-2026)

بقلم: د. عماد صادق العزاوي

في الذكرى المئوية لوفاة غيرترود بيل( 12 تموز 1926-2026) لا نقصد هنا إعادة فتح ملف الاستعمار البريطاني بما له وما عليه، فذلك مبحث آخر له مقامه وأدواته. 

الصورة ادناه وحسب المصادر التاريخية تظهر المس جيرترود بيل جالسة بجانب الملك فيصل الاول وبعض حاشيته قبل تتويجه واخرين من الانكليز خلال نزهة ميدانية في موقع عقرقوف عام 1921 ، والصورة تختصر جانبا من شخصية غيرترود الرحالة والمستكشفة والدبلوماسية والذوق الارستقراطي في الملبس والمائدة ، كما تعكس صلتها الوثيقة بالعراق ورجاله في مرحلة مفصلية من تاريخ الدولة العراقية
الملكة غيرترود بيل | ملكة الصحراء التي صنعت بعض ملامح العراق الحديث (الذكرى المئوية 1926-2026)

ما يعنينا هو التوقف عند شخصية استثنائية من شخصيات تلك الحقبة، امرأة لم تكن عابرة في تاريخ العراق، بل حاضرة في بعض أكثر لحظاته التأسيسية حساسية: رسم الحدود، اختيار أول ملك، وتأسيس المتحف العراقي.

نشأة غيرترود بيل وإنجازاتها في أكسفورد

ولدت غيرترود بيل في يوركشاير لأسرة ثرية جداً، وعرفت الفقد مبكراً بوفاة والدتها. تلقت تعليمها في أرقى مدارس عصرها، ثم التحقت بجامعة كسفورد ، وتخرجت في التاريخ بمرتبة الشرف الكبرى -أول امرأة تحقق هذا الإنجاز في ذلك القسم. 

ومنذ وقت مبكر، كانت امرأة غير عادية في طموحها: انشغلت بقضايا المرأة، وساهمت في تأسيس جمعية لحماية حقوقها، وخاضت مغامرات جريئة في تسلق قمم الألب، حتى اطلق اسمها على إحداها تكريماً لها.

رحلات استكشاف الشرق واللغات التي أتقنتها ملكة الصحراء

لكن الشرق هو الذي شغلها ومنحها شهرتها. تعلمت الفارسية والتركية والعربية إلى جانب الإنكليزية والإيطالية والألمانية. كان احتكاكها الأول بالمنطقة عبر زيارة عمها في البعثة البريطانية بطهران، حيث أقامت ستة أشهر وأصدرت ترجمة لأشعار حافظ الشيرازي. ثم قامت، خلال اثنتي عشرة سنةبعدها، بست رحلات شاقة على ظهور الخيل والجمال في صحارى العراق وبلاد الشام وتركيا وفلسطين ولبنان.

نشرت كتابها «البادية والحواضر» سنة 1907، ودراسات عن مواقع أثرية لم تكن معروفة للغربيين مثل " قصر وجامع الاخيضر"، وكتاب" العمارة الإسلامية المبكرة" ومقالات عدة عن رحلاتها في الصحف البريطانية. وقد أطلقت عليها الصحافة البريطانية ألقاباً لافتة: «ملكة الصحراء» و«ملكة الجزيرة العربية غير المتوجة».

حياة المغامرة والأسلوب الأرستقراطي في صحارى الشرق

وما يزيدها فرادة أن هذه الرحلات القاسية في قفار موحشة لم تدفعها إلى التخلي عن ذوقها الأرستقراطي. كانت تصطحب صحوناً فاخرة للعشاء، وشمعدانات فضية، وحقائب كبيرة لملابسها، وخيمتين؛ إحداهما مكتباً والأخرى للنوم والاستحمام، فيما تدس المسدسات بين الأغطية وتحتفظ بالطلقات في حذائها الطويل تحسباً للطوارئ.

كانت امرأة تجمع على نحو نادر بين الترف الإنجليزي الصارم ومزاج المغامرة في أقصى درجاته. ومن طرائف أسفارها أنها حين زارت الدرعية في نجد، احتجزها أميرها سعود في قسم الحريم راغباً في ضم هذه الشقراء إلى زوجاته وجواريه، فأفلتت بلباقة حين ادعت أنها متزوجة. والحقيقة أنها لم تتزوج قط، ولم تنجب، رغم علاقات عاطفية عدة انتهت بالفراق أو بموت من أحبتهم.

دور المس بيل السياسي في تأسيس الدولة العراقية وترشيح الملك فيصل الأول

أما علاقتها بالعراق، فهي جوهر هذه المناسبة. كانت بيل من أشد المتعاطفين مع العرب وتاريخهم خاصة العراق ، ودعمت فكرة استقلال العرب عن العثمانيين. منحتها إجادتها الكاملة للعربية ومعرفتها الواسعة بالجغرافيا وعادات القبائل نفوذاً حقيقياً في دوائر القرار البريطانية، لكنها رفضت العمل في الاستخبارات أو الدفاع، وفضّلت أن يبقى دورها في إطار الاستشارة السياسية. 

ساهمت مع بيرسي كوكس وآخرين في رسم حدود الدولة العراقية الحديثة، وكان لها رأي حاسم في مسألة الحكم، إذ رفضت عدداً من الساعين إلى العرش لافتقادهم المؤهلات. وكان دورها بالغ الأهمية في ترجيح كفة الأمير فيصل بن الحسين وتتويجه ملكاً على العراق.

جهود غيرترود بيل في حماية الآثار وتأسيس المتحف العراقي

غير أن دورها الأعمق، والأبقى في الذاكرة العراقية، كان في مجال الآثار. أسهمت في استجلاب البعثات الأثرية البريطانية والأميركية التي عملت في أور وكيش وكلخ، وحققت اكتشافات كبرى أعادت لفت أنظار العالم إلى تاريخ العراق. وحين أصبحت اول مديرة للآثار في الإدارة العراقية الحديثة سعت لحماية اثارنا، فعملت على سن قانون يضمن احتفاظ العراق بنصف الآثار المكتشفة، بعد أن كان من المعتاد أن تذهب المكتشفات كلها إلى البعثات الأجنبية. 

ومع تراكم اللقى وقلة الموارد، ناضلت لإقناع الحكومة بتخصيص مكان لحفظها، ونجحت. أشرفت بنفسها على تصنيف الآثار ووضع البطاقات التعريفية بالعربية والإنكليزية، ودعت في يوم الافتتاح رئيس بعثة أور لإلقاء محاضرة عن تاريخ العراق. ومن ذلك الجهد المتواضع نشأ المعرض الذي تحول سنة 1923 إلى المتحف العراقي، وكانت أول مديرة له.

تفاصيل وفاة غيرترود بيل وتشييعها في بغداد

وفي 12 تموز 1926 انتهت حياتها عن ثمانية وخمسين عاماً إثر تناولها جرعة زائدة من الحبوب المنومة. فُسر موتها انتحاراً، ولا غرابة في ذلك إذا استحضرنا ما كانت تعانيه من الملاريا وذات الجنب، وتدخينها الشره، وحر بغداد القاسي، فضلاً عن وحدتها الشخصية، وحزنها على وفاة شقيقها الاصغر، وتراجع بريقها السياسي بعد أن كانت امرأة نافذة يتقرب إليها علية القوم بسبب استقرار الامور في الدولة العراقية. 

شُيعت بأمر من الملك فيصل في جنازة عسكرية مهيبة، ودُفنت في المقبرة البريطانية المدنية ببغداد.

الخاتمة: إرث المس بيل في الذكرى المئوية (1926 - 2026)

بعد مئة عام على وفاتها، ما يزال اسم غيرترود بيل حاضراً كلما تصفحنا تاريخ العراق المعاصر. وليس المقصود تأليهها، بل الاعتراف بأن هذه المرأة، على نحو لافت، أحبت بلداً لا يمت إليها بصلة نسب أو منشأ، وأخلصت له في حدود ما رأت واعتقدت، ودافعت عن بعض مصالحه حتى داخل الدوائر البريطانية. 

أسهمت في بناء دولة عراقية حديثة، وفي اختيار ملكها الأول ، وكانت لها اراء في كيفية حكم العراق وفي مؤهلات من يحكمه ، لو راجعناها اليوم سندهش لحكمتها وبعد نظرها . ولها دور في حماية قسم من تراثها الحضاري عبر تأسيس متحفها الوطني. وهذا، في ميزان الأثر، يجعلها أفضل من كثيرين تصدروا المشهد العراقي لاحقاً، فلم يتركوا وراءهم إلا الضجيج والخراب وسوء الذكر.

إن مئوية المس بيل ليست مجرد مناسبة لاستذكار امرأة إنكليزية مغامرة، بل مناسبة للتأمل في مفارقة مريرة: كيف استطاعت امرأة جاءت من بعيد أن ترى في العراق مشروع دولة وتاريخاً يستحق الحفظ، بينما تعاقب على هذا البلد كثير ممن أساؤوا إليه أكثر مما نفعوه.

الصورة ادناه وحسب المصادر التاريخية تظهر المس جيرترود بيل جالسة بجانب الملك فيصل الاول وبعض حاشيته قبل تتويجه واخرين من الانكليز خلال نزهة ميدانية في موقع عقرقوف عام 1921 ، والصورة تختصر جانبا من شخصية غيرترود الرحالة والمستكشفة والدبلوماسية والذوق الارستقراطي في الملبس والمائدة ، كما تعكس صلتها الوثيقة بالعراق ورجاله في مرحلة مفصلية من تاريخ الدولة العراقية

توصيف الصورة التاريخية: الصورة ادناه وحسب المصادر التاريخية تظهر المس جيرترود بيل جالسة بجانب الملك فيصل الاول وبعض حاشيته قبل تتويجه واخرين من الانكليز خلال نزهة ميدانية في موقع عقرقوف عام 1921 ، والصورة تختصر جانبا من شخصية غيرترود الرحالة والمستكشفة والدبلوماسية والذوق الارستقراطي في الملبس والمائدة ، كما تعكس صلتها الوثيقة بالعراق ورجاله في مرحلة مفصلية من تاريخ الدولة العراقية

google-playkhamsatmostaqltradent