محور صراع الدولة واللادولة: سلطة تعدد الرؤوس
بقلم: راسم العكيدي.
لم يكن الصراع بين الدولة واللادولة مجرد مواجهة عابرة، بل هو معركة مستمرة تتداخل فيها المصالح الدولية والإقليمية، مما أدى إلى تشكيل سلطة متعددة الرؤوس، تتنازع فيما بينها دون أن تصل إلى نقطة الحسم. وبينما يشتد الصراع، تبقى الأطراف المتناحرة تدور في حلقة مفرغة.
حيث تُدار اللعبة السياسية وفق توازن هش، يمنع الانفجار الكامل لكنه لا يحقق الاستقرار الحقيقي. السؤال الذي يطرح نفسه: إلى متى يمكن استمرار هذا التوازن الهش؟ وكيف يسهم هذا الصراع في إعادة تشكيل النفوذ الداخلي والخارجي؟
![]() |
محور صراع الدولة واللادولة سلطة تعدد الرؤوس |
صراع محور الدولة واللادولة بدأ ولن ينتهي فهناك قوى دولية وإقليمية لها أدواتها في الداخل تعمل بطريقة الأخطبوط فلها أدوات في الحكومة وأدوات في الفصائل وأدوات في العملية السياسية. مما ادى لصناعة سلطة متعددة الرؤوس تتصارع دون حسم ودون تصادم فكلما وصل الصراع لدرجة الصدام هناك أطراف تتدخل للحفاظ على نظام يساوي الرؤوس ويعيدها لمواقعها وتأثيرها بتسوية سياسية.
1. سلطة متعددة الرؤوس: صراع بلا حسم
إن تعدد مراكز القوى داخل الدولة جعل السلطة تبدو وكأنها كيان متناحر مع ذاته، فهناك حكومة رسمية تحاول فرض سيادتها، لكن في المقابل هناك قوى أخرى تملك النفوذ العسكري والسياسي، وتعمل وفق أجنداتها الخاصة. كلما اقترب هذا الصراع من نقطة المواجهة الحاسمة.
تتدخل الأطراف الدولية والإقليمية لإعادة ترتيب الأوراق ومنع انهيار النظام بالكامل. ولكن هذه التسويات المؤقتة لم تكن يوماً حلاً، بل كانت مجرد تأجيل للأزمة وإعادة إنتاج للصراع في أشكال جديدة.
2. التسويات السياسية: حل مؤقت أم تأجيج للصراع؟
تعتمد القوى المتحكمة بالصراع على مبدأ التسوية السياسية كأداة لاحتواء التوتر، لكنها في الواقع ليست أكثر من آلية لإعادة توزيع النفوذ، حيث يتم تقليم أجنحة بعض الأطراف وتعزيز مواقع أخرى. في النهاية، تبقى التسوية مجرد "هدنة" تخدم مصالح القوى المتصارعة.
دون تحقيق أي استقرار حقيقي. وعندما يصبح التوازن القائم مهدداً، تتحرك هذه القوى لتعديل المعادلة من جديد، بما يضمن استمرار لعبة المصالح دون حسم الصراع لصالح طرف على حساب الآخر.
التسوية السياسية هي تستطيح للأزمة وتسطيح لبيئة النفوذ والمصالح بما يزيل ويشذب الزائد منها، لكي تتساوى الرؤوس وكل له قوته وهذا يلغي مفهوم الدولة؛ ويغذي مفهوم السلطة المتعددة الرؤوس ويؤدي الى صراعها.
بما يخدم ويدعو لتدخل القوى الدولية والاقليمية التي تمسك بخيوط اللعبة بتوازن يمنع الانزلاق للهاوية، بتوافق الضرورة بين الشركاء الأعداء والمتنافسين ويعيد الصراع الى مرحلة صراع بين حكومة تشبه حكومة تسيير الأعمال ومحور اللادولة.
3. الانتخابات: سلاح التأجيل وإطالة عمر الصراع
كلما اقترب موعد الانتخابات، تتصاعد حدة المواجهات بين الدولة واللادولة، حيث يسعى كل طرف لتعزيز نفوذه وحسم المعركة لصالحه. هنا، يصبح تأجيل الانتخابات ورقة ضغط تُستخدم من الطرفين؛ إذ تخدم الحكومة عبر تمديد فترة حكمها.
بينما يستغلها محور اللادولة لتعزيز قوته الميدانية والسياسية. لكن هذا التلاعب بالمواعيد السياسية يثير قلق القوى الدولية والإقليمية، التي تخشى أن يتحول العراق إلى ساحة صراع غير قابلة للضبط، مما قد يؤدي إلى زعزعة نفوذها في المنطقة بأكملها.
الذي يملك القوة على الأرض، والقوة السياسية التي هي من شكلت الحكومة وتملك مصيرها وتقنن حركتها فإن خرجت ثبتتها في موقعها المطلوب والمخطط له. تتوالى المواجهات بين محور الدولة واللادولة كلما قربت الانتخابات ويتم تأجيلها تهدد بتأجيل الانتخابات، والتأجيل يخدم الأطراف في نوعيته.
أن تأجيل الانتخابات يطيل من عمر الحكومة؛ وتأجيل المواجهة يضعف الحكومة ويقوي محور اللادولة التي تستعرض قوتها لتقوي نفوذها وفرصها في الانتخابات. لكن هذا الصراع وتأجيل المواجهة الحاسمة، أصبح يقلق قوى دولية ويخيف قوى اقليمية لان ناره قد تدفع لخروج الامور عن السيطرة ويؤدي لخسارة القوى الخارجية لمصالحها ونفوذها في العراق والمنطقة.
4. إعادة تشكيل النفوذ الإيراني: من الكم إلى الكيف
مع تصاعد التحديات الداخلية والخارجية، لجأت إيران إلى إعادة هيكلة نفوذها في العراق، متخلية عن الاستراتيجية التقليدية التي تعتمد على التوسع الكمي للمجموعات المسلحة، لصالح استراتيجية أكثر دقة تعتمد على مجموعات نوعية ذات ولاء مطلق.
هذا التغيير لم يكن مجرد قرار سياسي، بل كان ضرورة فرضتها الاختراقات الأمنية المتزايدة داخل مناطق النفوذ الإيراني. وفي ظل هذه المعادلة الجديدة، بات التخلي عن بعض الوكلاء التقليديين أمراً لا مفر منه، وهو ما أثار قلق قيادات الفصائل المسلحة التي شعرت بأنها أصبحت عبئًا على داعميها.
ووصول النار لدول أبقت النار بحدودها ومحددات موقعها ولذلك سارعت القوى الدولية والاقليمية الى ترتيبات امنية وسياسية متعددة الأطراف الدولية وهذا مما دفع إيران الى سلوك التطويع النوعي الدقيق لوكلائها واتباعها، والتراجع عن التحشيد الكمي المترهل الذي ادى الى اختراقات في مناطق نفوذ إيران.
5. الفصائل المسلحة: استعراض القوة الأخير
مع شعور بعض الفصائل المسلحة بأنها باتت خارج الحسابات الجديدة، لجأت إلى استعراض قوتها في المدن، في محاولة لإثبات وجودها قبل أن يتم إقصاؤها نهائيًا. لكن هذا الاستعراض لم يكن سوى استهلاك أخير لما تبقى لها من نفوذ، إذ باتت القوى الدولية والإقليمية تنظر إلى هذه الفصائل على أنها أدوات مؤقتة.
يتم استخدامها حين الحاجة، ثم يتم التخلص منها بمجرد انتهاء دورها. لقد تحولت بعض الفصائل إلى أوراق محترقة، بعدما فقدت الحماية التي كانت توفرها لها التحالفات الإقليمية والدولية.
إيران اعتمدت على العشرات دربتهم بشكل نوعي دقيق يصعب اختراقه لولائه الكامل
وبمحددات نوع المهمة، ورشاقة التحرك، وتقنينه. هذا يعني تسريح الالاف من اتباع ايران وتسريح الوكلاء، له اسلوبه بما لا يؤدي
لدفعهم باحضان الخصوم، ليستفيدوا منهم بل بكشفهم والتخلي عنهم وبما يشبه
التصفية الغير مباشرة.
بوضعهم تحت التهديد ودفعهم للعمل لصالحهم ودون دعم وحماية وهذا ما اخاف الكثير من الفصائل وزعمائها ورؤساء الكتل السياسية من ترتيبات امنية دولية متعددة الأطراف تصفي وكلائها من الحرس القديم.
6. اللعب على المكشوف: من يحسم الصراع؟
لم يعد هناك مجال للعب خلف الكواليس، فالصراع بين الدولة واللادولة بات مكشوفًا أمام الجميع، وأصبح كل طرف يستخدم أدواته علنًا في محاولة لترجيح كفته. هذا الوضوح في المواجهة يضع العراق على مفترق طرق خطير، حيث لم يعد بإمكان القوى الخارجية ضبط إيقاع اللعبة بسهولة كما كان في السابق.
ومع تضاؤل فرص التسويات السياسية التقليدية، يبرز تساؤل جوهري: هل نحن أمام مرحلة جديدة من المواجهات المفتوحة، أم أن هناك تسوية كبرى تُطبخ في الخفاء؟
من اجل تركيز النفوذ وتدعيم المصالح وتقليص التكاليف لتفادي الخسارة. هذا دفع لتوحش البعض من مسلحي الفصائل واللاعبين الثانويين وتحركهم دون وعي وهم تحت طائلة الخوف وتحت وطأة تاثير الاحساس بالخذلان وهم كالوحوش حين تحترق الغابة.
7. المصالح الدولية والإقليمية: كيف تُدار اللعبة؟
العراق ليس مجرد ساحة صراع داخلي، بل هو جزء من لعبة نفوذ إقليمية ودولية، حيث تتداخل المصالح بين القوى الكبرى. كل طرف يسعى للحفاظ على نفوذه داخل هذه المعادلة المعقدة، مستخدمًا أدواته المختلفة لتحقيق أهدافه.
القوى الدولية لا تريد انهيار العراق بالكامل، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في بروز قوة مستقلة يمكن أن تهدد مصالحها. أما القوى الإقليمية، فهي تحاول تثبيت نفوذها بأي طريقة، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار العراق ومستقبل شعبه.
حريق في الطرف الآخر من الغابة اخاف الوحوش خرجت الى قلب العاصمة واطراف المدن لتستعرض اخر قوة تمتلكها واخر محاولة متاحة لتثبت وجودها وتماسكها لحماية بعضها البعض وبطريقة الشبكة المنظمة لكنه استعراض كشف آخر محاولة واستهلاك آخر استعداد للفعل.
القوى الخارجية لا تعرف الا نظامها ودولتها ولها الاستعداد لتضحي ببعض من شعوبها لتجعله كبش فداء ومبرر للدفاع عن الوجود وعن نظام الحكم. فكيف بوكلاء وتابعين ارتضوا ان يكونوا ادوات لتلك القوى فبالتأكيد هم ليسوا سوى مستلزمات باستخدام لمرة واحدة كالورق الصحي يرمى في سلة النفايات بعد استخدامه.
8. هل هناك فرصة لبناء دولة حقيقية؟
في ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال الأهم: هل هناك فرصة حقيقية لبناء دولة ذات سيادة في العراق؟ الإجابة ليست سهلة، لكن ما هو واضح أن العراق بحاجة إلى مشروع وطني حقيقي، يضع مصلحة الشعب فوق الحسابات الضيقة للقوى المتصارعة.
بدون هذا المشروع، سيبقى العراق رهينة للصراعات الخارجية والداخلية، وسيظل الصراع بين الدولة واللادولة مستمرًا إلى أجل غير مسمى.
الخاتمة: الصراع بين الدولة واللادولة لم يكن مجرد مواجهة عابرة، بل هو معركة ممتدة، تحكمها المصالح الدولية والإقليمية. وبينما تستمر هذه المواجهة، تبقى التسويات السياسية مجرد مسكنات مؤقتة، تؤجل الصدام لكنها لا تمنعه.
العراق اليوم يقف أمام مفترق طرق حاسم، فإما أن ينجح في بناء دولة حقيقية تحكمها سيادة القانون، أو يستمر في دوامة الصراع التي لن تنتهي إلا بمزيد من الفوضى والانهيار. السؤال الذي يطرح نفسه: من يملك الإرادة لكسر هذه الحلقة المفرغة، وإعادة العراق إلى مساره الطبيعي كدولة ذات سيادة حقيقية؟
مقال اخر للكاتب