recent
أخبار ساخنة

زيد المهداوي.. سليل "الشاخة" وفارس الأكاديمية: ملحمة النجاح من طين الأرض إلى رفوف "سكوبس"

Site Administration
الصفحة الرئيسية

زيد المهداوي.. سليل "الشاخة" وفارس الأكاديمية: ملحمة النجاح من طين الأرض إلى رفوف "سكوبس"

بقلم: مالك عبد القادر المهداوي

في حياة الأمم والشعوب، هناك شخصيات لا تُقاس بمدى ما حققته من ألقاب فحسب، بل بمدى ما صهرته من تحديات في بوتقة الإرادة. وعندما أشرع في الكتابة ضمن سلسلة "تجربة نجاح"، فإنني لا أبحث عن السير الذاتية الجاهزة في الأروقة الأكاديمية، بل أبحث عن "الروح" التي سكنت تلك السير. 

زيد المهداوي.. سليل "الشاخة" وفارس الأكاديمية: ملحمة النجاح من طين الأرض إلى رفوف "سكوبس"
زيد المهداوي.. سليل "الشاخة" وفارس الأكاديمية: ملحمة النجاح من طين الأرض إلى رفوف "سكوبس".

واليوم، تقودني بوصلة الوفاء والحنين إلى رفيق الدرب وابن العم، الأستاذ الدكتور زيد المهداوي؛ الإنسان الذي طوع الصعاب ليكون منارة علمية يشار إليها بالبنان.

الفصل الأول: الجذور.. عبق "الجزيرة" وتراتيل نهر "الشاخة"

تبدأ حكاية زيد محمد مبارك عباس المهداوي في عام 1954، في بقعة من أطهر بقاع المقدادية (شهربان)، وتحديداً في قرية "الجزيرة". لم تكن الحياة آنذاك ترفاً، بل كانت صراعاً لذيذاً مع الأرض. كان زيد الابن ما قبل الأخير في عائلته، وفي الترتيب العائلي الريفي، يحمل الابن ما قبل الأخير عبئاً مضاعفاً؛ فهو مطالب بالتعلم من الكبار ومساعدة الصغار.

كان بيتهم يجاور "نهر الشاخة"، ذلك الشريان الذي لم يكن يروي البساتين فقط، بل كان يروي في نفوسنا الصبر. كانت طفولة زيد موزعة بمسطرة من ذهب بين ثلاث جبهات:

  1. جبهة الأرض: العمل في البساتين، حيث تعلم قدسية العرق وكيف ينمو الثمر بالصبر.

  2. جبهة الرعي: الخروج بالمواشي في براري الجزيرة، وهي المدرسة التي تعلم منها التأمل والهدوء والقيادة الفطرية.

  3. جبهة الكتاب: المذاكرة تحت ضوء "اللالة" أو في فترات الاستراحة بين العمل، حيث كان يدرك أن العلم هو التذكرة الوحيدة لعبور ضفة النهر نحو العالم الواسع.

لقد حمل زيد "ثقافتين" متداخلتين؛ ثقافة ابن القرية بصلابته وقيمه الفطرية، وثقافة ابن المدينة الذي بدأ يتلمس ملامح الحداثة بحكم قرب "الجزيرة" من مركز قضاء المقدادية.

الفصل الثاني: مدرسة "المحطة".. المختبر الاجتماعي الأول

لا يمكنني الحديث عن زيد دون العودة إلى مرحلة مفصلية في حياتي وحياته، وهي انتقال والدي الحاج عبد القادر المهداوي (رحمه الله) ليعمل معاون المدير لـ "محطة قطار المقدادية". كانت هذه المحطة بالنسبة لنا أكثر من مجرد مرفق حكومي؛ كانت "جامعة اجتماعية" مفتوحة.

قبل المحطة، كان عالمنا محصوراً في حدود العشيرة والقرية، لكن المحطة فتحت أعيننا على "العراق المصغر". هناك، التقيت بابناء عشيرتي المهديه ومن زيد  وبأبناء العشائر الأخرى، والبيوتات المدنية العريقة، والموظفين القادمين من كل حدب وصوب. كانت المحطة هي "البوصلة" التي عرفتنا بعادات الناس، بلهجاتهم، وبطريقة تفكيرهم. 

في هذا المختبر الاجتماعي، صُقلت شخصية ابن العم زيد المهداوي؛ فقد تعلم كيف يتواصل، كيف يحترم التنوع، وكيف يبني جسور الثقة مع الغرباء كما يبنيها مع الأقرباء.

الفصل الثالث: الفارس الأسمر.. حين تعانق الرشاقةُ الأخلاق

في السبعينيات، لم يكن زيد معروفاً فقط بتفوقه الدراسي، بل كان "أيقونة" رياضية في ملاعب المقدادية. لا تزال صورته ماثلة في ذهني؛ ذلك الشاب الفارع الطول، الرشيق، الذي يركض في ملعب "الجزيرة" وكأنه يطارد حلماً بعيداً.

تحت إشراف الأستاذ القدير رحيم المهداوي، تألق زيد في فريق كرة القدم، وكان صخرة الدفاع وهيبة الهجوم. لكن طوله الفارع لفت انتباه الخبراء؛ فاستدعاه الدكتور مازن الجيجاني لينضم إلى فريق كرة السلة. في نادي المقدادية، لم يكن زيد يمارس الرياضة للمتعة فقط، بل كان يمارسها بـ "أخلاق الفرسان". لم يُعرف عنه يوماً خشونة متعمدة أو خروج عن النص، بل كان "بروفيسوراً" في الملعب قبل أن يكون بروفيسوراً في المختبر.

الفصل الرابع: الرحلة الأكاديمية.. من ثانوية  الوجهية" إلى ذروة العلم

تخرج زيد من جامعة بغداد عام 1977، وعاد لمدينته ليعطيها مما تعلم. عُين مدرساً في ثانوية "الوحيهيه" ولمدة سنتان ، ثم انتقل إلى إعدادية المقدادية عام 1979. كان يمكن لزيد أن يكتفي بالوظيفة ويستقر، لكن طموح ابن "الشاخة" لا سقف له.

في عام 1983، نال شهادة الماجستير في "وراثة الخلية". ثم جاءت سنوات التحدي؛ الخدمة العسكرية، التنقل بين جبهات القتال وجبهات العلم. نُقلت خدماته إلى جامعة صلاح الدين في أربيل عام 1986، وهناك، في قلب الشمال العراقي، تولى منصب معاون العميد لشؤون الطلبة في ظروف سياسية وأمنية بالغة التعقيد. كان زيد هناك سفيراً لشهربان بأخلاقه وحكمته، يدير شؤون الطلبة بقلب الأب وعقل العالم.

وفي عام 1999، حقق الحلم الأكبر بنيله شهادة الدكتوراه في "الفسلجة المرضية" من جامعة بغداد. هذه المحطة لم تكن مجرد شهادة، بل كانت إعلاناً عن ولادة "مرجع علمي" في تخصص دقيق ومعقد. وفي عام 2003 درس في كلية طب حضرموت وفي كلية البيئة والبحار في اليمن لمدة ستة أشهر وعاد الى العراق.

الفصل الخامس: بناء المؤسسات.. معمار كلية العلوم في تكريت

عندما يُذكر تاريخ جامعة تكريت، يجب أن يُذكر اسم الدكتور زيد المهداوي بمداد من ذهب. لم يذهب إلى هناك ليحاضر فقط، بل ذهب لـ "يبني". ساهم مساهمة فعالة في تأسيس كلية العلوم عام 1999، ووضع مناهجها، وأسس مختبراتها بروح المؤسس الذي يدرك أن العلم هو الأساس الوحيد لبناء الأمم.

تولى منصب معاون عميد كلية العلوم لسنوات طويلة، وكان مكتبه مفتوحاً للجميع. لم تغيره المناصب، ظل ذلك الإنسان الذي يقدر "البساطة"، ويرى في الطالب مشروع عالم مستقبلي.

الفصل السادس: لغة الأرقام.. والعبور نحو "سكوبس" العالمية 🌍

إذا أردنا قياس أثر الدكتور زيد المهداوي علمياً، فالأرقام تبدو مذهلة ومفخرة لنا جميعاً:

  • الإشراف الأكاديمي: أشرف على أكثر من 78 باحثاً وباحثة (42 ماجستير و36 دكتوراه). تخيلوا حجم العقول التي تخرجت من تحت يديه!

  • المناقشات العلمية: شارك في مناقشة أكثر من 250 أطروحة ورسالة، كان فيها المقوم الحريص والأستاذ الموجه.

  • النتاج البحثي: لديه أكثر من 150 بحثاً علمياً، لم تُدفن في الأدراج، بل نُشرت في مجلات عالمية رصينة وضمن مستوعبات Scopus، ليرفع اسم العراق والمقدادية في المحافل الدولية.

 توضيح للقارئ الكريم حول معنى (سكوبس): 🔍 هي أكبر قاعدة بيانات عالمية للأبحاث الرصينة. أن يُنشر بحثٌ فيها يعني أنه خضع لرقابة دولية صارمة. وجود 150 بحثاً للدكتور زيد يعني أن اسمه مسجل في ذاكرة العلم العالمية بجانب كبار علماء الأرض 🌏

الفصل السابع: ما بعد التقاعد.. النهر الذي لا يتوقف 🌊

في عام 2022، أُحيل الدكتور زيد إلى التقاعد. في العرف الوظيفي، هذه نهاية الرحلة، لكن في عرف المبدعين، هي "بداية لفصل جديد". لم يستكن للراحة، بل انتقل ليضع خبرته الطويلة في "كلية الحضارة الجامعة" بتكريت، حيث يترأس الآن قسم التخدير.

هذا الإصرار على العطاء هو الدرس الحقيقي في "تجربة نجاح". فالعالم الحقيقي هو من يرى أن علمه "زكاة" يجب أن تؤدى ما دام القلب ينبض. ⃟⃟

خاتمة: لماذا نكتب عن زيد المهداوي؟❤️

نكتب عنه لأنه يمثلنا؛ يمثل ذلك الحلم العراقي الأصيل الذي ينبت من طين القرى ليصل إلى عنان السماء. نكتب عنه لنقول للأجيال الجديدة في المقدادية وشهربان: إن اليتم، أو الفقر، أو البعد عن المركز، ليست عوائق، بل هي "وقود" للنجاح إذا امتلك الإنسان إرادة زيد المهداوي.👍

توصية إلى القارئ العزيز.. وللأجيال الصاعدة 💡✨

  • التمسك بالجذور: 🌳 لا تخجل من بداياتك؛ فمن طين "الشاخة" وبساتين "الجزيرة" خرج العالم المرموق.

  • العلم هو السلاح: 📚 في زمن التغيير، يبقى العلم هو الاستثمار الوحيد المضمون.

  • التوازن الجميل: ⚖️ كن كزيد؛ اجمع بين عقل العالم (الأكاديمية)، وقوة الرياضي (النشاط)، وتواضع الإنسان (الأخلاق).

  • الانفتاح الاجتماعي: 🤝 تعلم من "المحطة" أن الحياة تنوع وقبول للآخر، فالعالم يتسع للجميع.

رسالتي لكل شاب: 🚀 لا تنتظر الظروف المثالية؛ اصنع من "اللا شيء" كل شيء، فالمستقبل ينتظر "زيداً" جديداً يحمل الراية! 🇮🇶

google-playkhamsatmostaqltradent