📜 دولة الشعارات وممالك الفساد- العراق بين خطاب الحسين وممارسة "يزيد" 📜
✍️ د. عماد صادق العزاوي
📰 لم يعد الفساد في العراق فضيحة طارئة، بل نشرة يومية ثابتة، يتداولها الشارع والبيت كما لو كانت فقرة اعتيادية كنشرة الطقس. ومع ذلك، بقي العراقي يُصدم كل مرة، لا لأن الفساد جديد عليه، بل لأن حجم الوقاحة فيه يتجاوز الخيال.
![]() |
| دولة الشعارات وممالك الفساد- العراق بين خطاب الحسين وممارسة "يزيد". |
👁️🗨️ فالصور والفيديوهات التي تكشفت مع صولة الفجر لم تعرض مجرد أموال منهوبة، بل عرضت السيرة الحقيقية لطبقة ظلت سنوات تصدع رؤوس الناس بخطب الطهر والمظلومية والإصلاح، فيما كانت تمارس من خلف الستار نهباً يجعل اللص العادي يبدو هاوياً صغيراً في مدرسة الجريمة المنظمة.
🎭 هؤلاء ليسوا مجرد فاسدين؛ إنهم ممثلون رديئون في مسرحية طويلة عنوانها الخداع العام. لبسوا أقنعة الوعظ، ورفعوا شعارات مكافحة الفساد، وحرّضوا مذهبياً وفئوياً، ثم اكتشف الناس أنهم لم يكونوا سوى سماسرة سلطة، اتقنوا الخطابة الفارغة، فهي الشيء الوحيد الذي تعلموه في السلطة.
🎪 سرقوا الشعب الذي ائتمنهم على نحو بذيء، ثم وقفوا فوق المنابر يطالبون الجمهور بالتصفيق لأدوار لا يتقنها أمهر بهلوان في السيرك السياسي. فنانة عراقية محترمة طلبت مقابلة احدى النائبات الناهبات التي فضح الله سرها لأمر، فرفضت النائبة حتى رؤيتها، والسبب انها تستحرم مقابلة فنانة!!
💰 المليارات المنهوبة وموقف المؤسسات الرسمية
🏚️ وليت هذه المليارات المسروقة ذهبت، ولو من باب المصادفة، إلى مشاريع تشغل العاطلين أو تنعش الاقتصاد أو تخفف بؤس المدن ومدارس الطين. وليتهم حتى وضعوها في المصارف لتدور في الدورة المالية ويصيب البلد منها بعض النفع.
🧱 لكنم، وقد خبروا فساد النظام الذي صنعوه بأيديهم، لم يثقوا حتى بمؤسساته التي يتشدقون بها صباح مساء، فدفنوا الأموال تحت الأرض، وخلف الجدران، وحولوها إلى أصول استهلاكية جامدة، كأنهم عصابة تستعد ليوم الهرب لا سلطة تزعم أنها تبني دولة.
⚖️ ومن هنا فإن صمت البنك المركزي ووزارة المالية عليها ليس حياداً بيروقراطياً، بل قرينة إضافية على أنهما جزء من منظومة النهب، أو في الحد الأدنى حارسان مهذبان على باب اللصوصية الكبرى.
🕌 المفارقة الكبرى: سلطة حسينية اسماً ويزيدية فعلاً
📣 السلطة الحقيقية اليوم مستقرة في يد طبقة تقدم نفسها بوصفها سلطة حسينية، تستدعي في خطابها اليومي الحسين وكربلاء والطف، وتستثمر الرموز الدينية في السياسة والاقتصاد والإعلام وعلى المنابر، كأنها الوكيل الحصري للسماء في الأرض.
⚠️ لكن المفارقة التي لم تعد تحتاج إلى برهان هي أن هذه سلطة حسينية اسماً، يزيدية فعلاً. فمنذ 2003 لم تقدم مشروعاً وطنياً حقيقياً في العدل والمساواة ومحاسبة الفاسدين، مع أنها سوّقت نفسها دعائياً بوصفها الانتصار التاريخي لخط آل البيت بعد مظلومية أربعة عشر قرناً. فإذا كان هذا هو الانتصار، فبئس الانتصار، وحاشا للحسين وآل بيته أن يُختزلوا في هذا المستنقع السلطوي الآسن.
❓ قال الحسين: "كونوا أحراراً في دنياكم". فهل فهمتم الحرية على أنها حرية نهب المال العام، وخيانة الأمانة، وبيع الضمير، وخداع الناس بالشعارات؟ هل دعاكم الحسين إلى أن تكونوا عبيداً للمال والمنصب، وشركاء للباطل، ومقاولين معتمدين في تسويق الزيف؟
📉 أم أن الحسين، في نسختكم الرسمية، صار مجرد لافتة موسمية تُرفع في الشعائر وتُخفض عند أول صفقة، واسمًا شريفًا يُستثمر في الخطب لتبرير التسلق والابتزاز والتخوين وتهميش الآخرين، حتى من داخل المذهب نفسه إذا خرجوا عن طاعتكم السياسية؟
⚔️ الفساد كعقيدة حكم واجترار المظلومية
🪙 لم يكن الحسين مكتنزاً للمال، ولا عاشقاً للغنيمة، ولا تاجراً بالمقدس. ولو أراد دنياكم هذه كما أردتموها، لسكت عن الباطل وعاد مع أهله معززاً مكرماً. أما أنتم فقد جمعتم بين قداسة الشعار وابتذال الممارسة، حتى غدوتم، وفق معاييركم التي ترفعونها ليل نهار، أقرب إلى معسكر يزيد من كل ما تزعمون محاربته.
🛑 بل إن المقارنة نفسها باتت مجحفة بحق التاريخ: فأنتم لم تكتفوا بخدمة سلطة فاسدة كيزيد، بل جعلتم الفساد عقيدة حكم، ومنحتموه حصانة خطابية ومذهبية، ثم طالبتم الناس بعد ذلك باحترام هيبة الدولة، كأن الدولة خزنة مدفونة في بيت أحد المتنفذين.
📋 ولذلك، لم يعد مقبولاً أن تظلوا تستحضرون التاريخ ورموزه لتغطية فشلكم في إدارة الحاضر. فهذا منطق العاجز الذي يستعير من المأساة القديمة ما يرقع به فضيحته الجديدة.
⚙️ الدولة لا تُدار بالرثاء، ولا تُحكم باللطم السياسي، ولا تُبنى على اجترار المظلومية، بل ببرامج علمية، وكفاءات نزيهة، وسياسات اقتصادية وخدمية وأمنية قابلة للقياس والمحاسبة. فاتركوا الحسين في عليائه، ودعوا يزيد لمصيره عند ربه، وكفوا عن جرّ التاريخ إلى منصة دفاعكم البائس.
❌ فلا الحسين يمنح شرعية لفاسد، ولا يزيد يتحمل نيابة عنكم أوزار السرقة والخراب. والأشد خزياً أنكم كلما افتُضح فشلكم ألصقتم مخالفيكم مرة بيزيد، ومرة بإسرائيل، ومرة بأميركا، وكأن قاموس الإفلاس السياسي عندكم لا يعرف غير التهمة الجاهزة والهروب الجبان إلى الخارج.
👥 الشركاء السياسيّون والانسجام اللصوصي النادر
🤝 أما شركاؤكم في السلطة، فلم تجعلوهم أكثر من ديكورات دستورية، واخترتم كثيراً منهم على قاعدة التجانس في الفساد لا على قاعدة الكفاءة في الحكم، ليكتمل المشهد بانسجام لصوصي نادر: وجوه متعددة، ونهب واحد.
📍 العراق اليوم ليس في يد يزيد وعشيرته كما تحبون ان ترددوا، بل في ايديكم انتم. فان كنتم أهلا للحكم فأثبتوا ذلك بعمل وكفاءة ونزاهة، وان لم تكونوا فامتلكوا قدرا من الشجاعة واتركوا الساحة لمن هو خير منكم، فلستم الممثلون الحصريون للشعب.
⏳ فالعراق بكل طوائفه ومكوناته لم يعقم من الشرفاء الاكفاء، لكنه ابتلى 23 سنة بمن يتاجرون باسمه ومقدساته ثم يسرقون دون خوف من السماء والمقدسات التي يدعون الانتماء اليها.
🏁 السوداني (الزيدي) أمام لحظة الحسم التاريخية
⏰ واليوم يقف الزيدي أمام لحظة لا تنفع فيها الخطب ولا تصلح لها أنصاف المواقف:
-
إما أن يذهب حتى النهاية في حربه على الفساد، فيكسر أكبر الرؤوس، ويهدم المحميات التي ظلت فوق القانون، ويرسخ دولة عدالة، ويفتتح لنفسه مكاناً محترماً في تاريخ العراق.
-
وإما أن ينحني للضغوط والتسويات، فينتهي مثل من سبقوه: صفحة باهتة مطوية، لا يذكرها الناس إلا بوصفها فرصة ضاعت، وتلاحقها اللعنات أكثر مما تحفظها المناصب.
