قصيدة مَنَافِعُ الشَّبَكَةِ (مِنْ زَمَنِ الْبَرِيدِ إِلَى عَصْرِ النُّورِ)
بقلم: مالك المهداوي
المقدمة:
شَهِدَ الإِنْسَانُ عَبْرَ تَارِيخِهِ الطَّوِيلِ تَحَوُّلاَتٍ جَسِيمَةً فِي طُرُقِ التَّوَاصُلِ وَنَقْلِ الْمَعْرِفَةِ؛ فَبَعْدَ أَنْ كَانَتِ الرَّسَائِلُ تَقْطَعُ الْفَيَافِيَ وَالْقِفَارَ فِي أَشْهُرٍ طِوَالٍ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ وَبِجُهُودِ سُعَاةِ الْبَرِيدِ، أَمْسَى الْعَالَمُ الْيَوْمَ قَرِيَةً صَغِيرَةً تَتَلَقَّى الْخَبَرَ وَالصَّوْتَ وَالصُّورَةَ فِي خَاطِفَةِ عَيْنٍ. إِنَّ هَذَا التَّطَوُّرَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ طَفْرَةٍ تِقْنِيَّةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ كَانَ فَتْحاً عِلْمِيّاً أَعَادَ رَسْمَ مَلاَمِحِ الْحَضَارَةِ وَجَسَّرَ الْمَسَافَاتِ بَيْنَ الأُمَمِ.
![]() |
| قصيدة مَنَافِعُ الشَّبَكَةِ (مِنْ زَمَنِ الْبَرِيدِ إِلَى عَصْرِ النُّورِ). |
وَتَتَجَلَّى أَعْظَمُ مَنَافِعِ هَذِهِ الشَّبَكَةِ التَّنْوِيرِيَّةِ فِي كَسْرِ أَقْفَالِ الْجَهْلِ وَتَبْدِيدِ ظُلُمَاتِ الخُرَافَةِ الَّتِي رَانَتْ عَلَى الْعُقُولِ لِقُرُونٍ؛ إِذْ غَدَا الْعِلْمُ مُتَاحاً لِكُلِّ طَالِبٍ، وَصَارَتِ الْحَقَائِقُ شَخِصَةً أَمَامَ الأَبْصَارِ لاَ تَقْبَلُ التَّزْيِيفَ. وَفِي هَذِهِ الأَبْيَاتِ الْمُنَظَّمَةِ عَلَى بَحْرِ الْبَسِيطِ، سَرْدِيَّةٌ شِعْرِيَّةٌ تُقَارِنُ بَيْنَ مَشَقَّةِ الأَمْسِ وَنُورِ الْحَاضِرِ، وَتُحَمِّدُ اللهَ عَلَى النِّعَمِ الَّتِي سَخَّرَهَا لِلْبَشَرِيَّةِ.
القصيدة
نُورٌ مِنَ الْعِلْمِ يَمْحُو كُلَّ مُدْلَهِمِ
وَيَمْلأُ الْكَوْنَ الْبُشْرَى بِالرَّوَائِعِ
هَذَا سِلاحُ العَصْرِ الشَّابِكِ مُذْ سَطَعَتْ
أَنْوَارُهُ، عَمَّتِ الدُّنْيَا بِالْمَنَافِعِ
لَوْ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَمْساً: سَوْفَ تُبْصِرُهُمْ
صَوْتاً وَصُورَةَ، فِي كَفٍّ لِسَامِعِ
لَقَالُوا: جُنَّ فُلانٌ، أَوْ أُصِيبَ بِلوْ
ثَةٍ، وَقَالُوا: هَرْطَقَاتُ دَعِيّ!
وَكَيْفَ يَدْرُونَ وَالسَّاعِي يَسِيرُ بِهِمْ
بِالْبَرِيدِ شُهُوراً خَلْفَ مَطْلَعِ؟
يَظَلُّ يَنْتَظِرُ الْمَكْتُوبَ صَاحِبُهُ
وَالْقَلْبُ يَخْفِقُ بَيْنَ الظَّنِّ وَالْوَجَعِ
وَيَقْطَعُ الدَّرْبَ مَطْوِيّاً عَلَى أَمَلٍ
يَرْنُو لِشَمْسٍ بَدَتْ مِنْ خَلْفِ أَبْرَعِ
تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَالشَّوْقُ يَعْصِرُهُ
وَالصَّبْرُ يُثْقِلُهُ فِي كُلِّ مَضْجَعِ
وَالْيَوْمَ، فِي لَحْظَةٍ، شَاشَاتُنَا انْفَتَحَتْ
عَلَى الْمَدَى، وَانْقَضَى عَهْدُ التَّقُوقُعِ
تَرَى الْوُجُوهَ، وَتَدْرِي مَا يُلِمُّ بِهِمْ
كَأَنَّ كُلَّ الْفَضَا فِي كَفِّ مُتَّسِعِ!
تُحَاكِيهِمْ عَبْرَ أَجْوَاءِ السَّمَاءِ بِلا
حَدٍّ، وَلا سَفَرٍ يُضْنِي وَلا مَانِعِ
وَكُشِفَ الزَّيْفُ عَنْ قَوْمٍ زَمَاناً مَضَى
أَبْقَوْا الْعُقُولَ بِجَهْلٍ غَيْرِ مُنْقَطِعِ
تَسَلَّطُوا بِخُرَافَاتٍ، وَكَمْ زَعَمُوا
أَنَّ الْحَقِيقَةَ سِرٌّ بَيْنَ الأَصَابِعِ
فَجَاءَتِ الشَّبَكَةُ الْكُبْرَى لِتَهْدِمَ مَا
بَنَوْهُ مِنْ وَهَمٍ فِي سَاحَةِ الْخِدَعِ
وَأَمْسَى الْجَهْلُ خِيَاراً بَعْدَ نُورِ هُدًى
وَلَمْ يَعُدْ قَدَراً يُسَاقُ لِلْخَاضِعِ
صَارَ الْعُلُومُ لِمَنْ يَبْغِي حَقِيقَتَهَا
مُتَاحَةً كَالْهَوَاءِ الْعَذْبِ لِلْقَانِعِ
فَاشْكُرْ لِرَبِّكَ عَصْراً صَارَ فِيهِ الْمَدَى
قَرِيبَ رُؤْيَةِ عَيْنٍ، سَاطِعَ السُّطُعِ
يُبَدِّدُ الْعَتَمَاتِ الْبَاقِيَاتِ كَمَا
يُزِيحُ شَبُّ الصَّبَاحِ سُدْفَةَ الْهَجَعِ
فَالْحَمْدُ لِلَّهِ إذْ أَمْسَى زَمَانُنَا
يَدْنُو بِهِ الشَّرْقُ لِلْغَرْبِيِّ فِي جَامِعِ
تَقَارَبَ النَّاسُ أَرْوَاحاً وَمَعْرِفَةً
وَصَارَتِ الأَرْضُ بَيْتاً لِلسَّرَى شَاسِعِ
فَاحْفَظْ إِلهِي عُقُولاً أَبْدَعَتْ نِعَماً
وَاجْعَلْ ضِيَاءَ الْهُدَى فِي كُلِّ مَطْلَعِ
الخاتمة:
خِتَاماً، يَبْقَى الْعِلْمُ وَالتَّوَاصُلُ الإِنْسَانِيُّ الرَّاقِي هُمَا الرَّكِيزَتَانِ اللَّتَانِ تَبْنِيَانِ الْمَجْدَ وَتَصُونِانِ الْحَضَارَةَ. إِنَّ مَا نَعِيشُهُ الْيَوْمَ مِنْ يُسْرٍ فِي تَبَادُلِ الْمَعَارِفِ مَسْؤُولِيَّةٌ تَتَطَلَّبُ حِفْظَ هَذِهِ النِّعَمِ وَاسْتِغْلاَلَهَا فِيمَا يَرْفَعُ شَأْنَ العَقْلِ وَيُشِيعُ السَّلاَمَ وَالْمَحَبَّةَ بَيْنَ الْبَشَرِ.
