recent
أخبار ساخنة

الدكتورة بهيجة خليل إسماعيل: سيرة أول سيدة تقود المتحف العراقي وتفك المسماريات

Writer Malik Al-Mahdawi
الصفحة الرئيسية

الدكتورة بهيجة خليل إسماعيل: سيرة أول سيدة تقود المتحف العراقي وتفك المسماريات

بقلم: موفق الربيعي.

تُعد الدكتورة بهيجة خليل إسماعيل الجراح إحدى أبرز القامات العلمية في تاريخ علم الآثار في العراق والشرق الأدنى القديم، وشخصية استثنائية جمعت بين الريادة الأكاديمية والعمل الإداري والميداني. يُسجّل لها التاريخ أنها أول باحثة عراقية تتخصص في قراءة المسماريات وفك رموز الرقم الطينية، وأول امرأة تتولى إدارة المتحف العراقي؛ لتصنع بحضورها علامة فارقة في مسيرة التنقيب والبحث الأركيولوجي، وتترك بصمة لا تُمحى في إحياء التراث الرافديني.

الدكتورة بهيجة خليل إسماعيل: سيرة أول سيدة تقود المتحف العراقي وتفك المسماريات
الدكتورة بهيجة خليل إسماعيل: سيرة أول سيدة تقود المتحف العراقي وتفك المسماريات.

ولدت الراحلة في بغداد عام 1934، ونشأت شغوفة بتاريخ أرض الرافدين، فنالت بكالوريوس الآثار من جامعة بغداد، ثم واصلت رحلتها العلمية في ألمانيا لتحصل على درجة الدكتوراه في الكتابات المسمارية من جامعة "هومبولت" عام 1967 كأول امرأة عراقية تنال هذه الدرجة من هناك. أهّلها هذا التأهيل الأكاديمي العالي لتكون رائدة قارئات المسماريات في العراق ومدرسة لأجيال من الباحثين في قسم الآثار بجامعة بغداد، ممهدة الطريق لجيل نسوي واعد في هذا المجال المعقد. (اقرأ مقال سيرة الوزير فليح حسن الجاسم)👉

الريادة في المتحف العراقي وإدارة الآثار

شهدت الفترة الممتدة من 1983 إلى 1989 محطة استثنائية في مسيرتها المهنية، حين تولت منصب مديرة المتحف العراقي، لتكون أول امرأة تشغل هذا الموقع القيادي الحيوي. أدارت خلالها صروح الآثار الوطنية بكفاءة عالية، وسهمت في تنقيب وتنظيم وإحياء العروض المتحفية، إلى جانب نشاطها الدؤوب في اكتشاف وتصنيف الآلاف من الرقم الطينية المسمارية.

إسهاماتها العلمية وبحوثها المسمارية

تركت الدكتورة بهيجة ثروة بحثية غنية رفدت المكتبة التاريخية والأركيولوجية بالعديد من المراجع الأساسية؛ فقد شاركت في وضع موسوعات حضارية كبرى وألفت مؤلفات تخصصية نذكر منها:

  • موسوعة حضارة العراق: أصدرت الجزء الأول منها عام 1985 بعنوان (الكتابة)، وتناولت فيه نشأة الخطوط القديمة.

  • مسلة حمورابي (1980): قراءة وتحليل للنصوص القانونية.

  • دور المستعمرات الآشورية في الأناضول (1981): دراسة في العلاقات التجارية والسياسية.

  • الطب دوره ومكانته في حضارة العراق (1989): استقراء للمعارف الطبية في النصوص المسمارية.

  • حكام سوخو وماري (1990) وكتابات من نينوى (1992).

  • المعجم الأكدي - العربي: شاركت في تأليف الجزء الأول (من الألف إلى الدال) الصادر عن المجمع العلمي العراقي عام 1999.

  • موسوعة الموصل الحضارية (1992): مشاركة بحثية موسعة مع نخبة من المؤرخين.

  • الأبحاث والمقالات: منها بحثها الرائد "نصوص جديدة في شارع الموكب" المنشور عام 1979 في مجلة "سومر" (المجلد 41).

رؤيتها الحفرية لقصة اختراع الكتابة

قدّمت الدكتورة بهيجة خليل إسماعيل رؤية علمية عميقة حول نشأة وتطور الكتابة في المنطقة؛ حيث أوضحت في دراساتها أن أقدم أشكال التدوين تمثلت في الكتابة الصورية في مدينة سوسة (عاصمة عيلام) خلال الألف الثالث قبل الميلاد، واستمر هذا النمط مستخدماً حتى العصر الأكدي ليحل محله الخط المسماري.

وأكدت أن حضارة عيلام مثلت جسراً ثقافياً نقل المفاهيم العراقية القديمة إلى الأقوام المجاورة، انتشاراً إلى مناطق واسعة في سوريا وتركيا وإيران. كما بينت كيف بَسّط السومريون العلامات الصورية المعقدة - التي كانت تتجاوز 2000 علامة - لتختزل في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد إلى نحو 500 إلى 550 علامة مسمارية، مما جعل الكتابة مقوماً أساسياً من مقومات الحضارة الإنسانية.(اقرأ من هو النحات صفاء المهاجر)👉

الشغف بالرموز والتأبين الوفائي

شهد لها زملاؤها وتلامذتها بدقة منهجها وعمق ولعها بالتراث؛ إذ أشارت الدكتورة فاتن الجراح في إحدى محاضراتها الأكاديمية إلى أن الأستاذة بهيجة امتازت بشغف استثنائي بفك رموز الخط المسماري، وكان لحضورها الميداني في المتحف الوطني العراقي أثر مباشر في إنقاذ وقراءة الكثير من الرقم الطينية الغامضة.

الخاتمة: رحيل العالمة وخلود الأثر

رحلت عالمة الآثار القديرة عن دنيانا في 13 يناير/كانون الثاني 2019 في العاصمة الأردنية عمان، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الأكاديمي والوطني. واستذكاراً لمكانتها الرفيعة، أقامت وحدة تمكين المرأة في وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية بالتعاون مع دار الثقافة والنشر الكردية حفل تأبين استُعرضت فيه مناقبها وإنجازاتها العظيمة. ستبقى الدكتورة بهيجة خليل إسماعيل منارة علمية ورمزاً شامخاً في سفر تاريخ الحضارة العراقية القديمة، بعد أن كرست حياتها لفك أسرار الماضي وإحياء صرح العراق الآثاري.

google-playkhamsatmostaqltradent