الوزير المعلم فليح حسن الجاسم: سيرة في النزاهة الحكومية والإدارة الوطنية
بقلم: مالك المهداوي
السيرة التوثيقية الشاملة والموسّعة للوزير والمحافظ فليح حسن الجاسم (1940 - 1982). تتناول نشأته في قرية العواشق بشهربان، وتدرجه القيادي في نينوى ووزارتي الداخلية والصناعة، وشهادات أبناء منطقته، وتوثيق موقفه القانوني الشجاع في لجنة 1977 مع عزت مصطفى وحسن العامري، وتفاصيل رحيله الخالد.
مقدمة: طيف الهيبة المطبوع في الذاكرة والقيادة الأخلاقية
ثمة وجوهٌ تظل محفورة في ذاكرة الطفولة كأنها تماثيل من مرمر صلب، لا يمحوها تقادم السنين ولا تغيب تفاصيلها مع زحام الأيام وتوالي العقود. كنتُ أراهُ من بعيد، بهيبته المعتادة التي تسبق خطاه، ووقاره الفطري الذي يفرض على المكان صمتاً مقدساً واحتراماً تلقائياً.
![]() |
| الوزير المعلم فليح حسن الجاسم: سيرة في النزاهة الحكومية والإدارة الوطنية. |
حينها، في منتصف تسعينيات القرن الماضي، لم أكن أدركُ كطفل أن هذه الهيبة والمهابة ليست مستمدة من بدلةٍ رسمية براقة، ولا من مقعدٍ وثير في وزارة، ولا من ألقاب ومواكب السلطة ومظاهرها الزائفة، بل كانت تنبع من معدنٍ صلبٍ وأصيل يرفض الانحناء، ومن كاريزما القيادة الطبيعية التي تجبر العيون على ملاحقته باحترام صامت وتقدير عميق.
اليوم، وأنا أحاول استعادة تلك الصورة وتفكيك خيوطها الوجدانية والتاريخية، لا أكتبُ عن "الوزير" فليح حسن الجاسم كملفٍ جاف في أضابير التاريخ السياسي والإداري المنسية، بل أكتبُ عن "الإنسان" الذي اختار الطريق الأصعب في زمن العواصف السياسية العاتية؛ ذاك الرجل الذي خلع عن كتفيه نياشين السلطة وبهرج المكاتب الوزارية، ليعود إلى بساطة "المعلم" في مدرسةٍ ابتدائية بناحية العَلَم، يحمل طباشيره كما يحمل القائد رايته، دون أن يكسره التهميش، ودون أن يغتالَ التواضعَ كبرياءُ المنصب أو الحنين إلى العرش الزائل.
عائلة فليح حسن الجاسم في سطور
أكتبُ هذه السطور بقلبٍ يملؤه الوفاء الصادق، وبذاكرةٍ حيّة تربطني بهم وببيتٍ كريم هو بيت أخي الدكتور مثنى المهداوي وعقيلته الدكتورة سيناء فليح حسن الجاسم، وبنجله البكر الدكتور محمد فليح حسن الجاسم والمهندس حيدر والأستاذ مصطفى والدكتورة تقوى والأستاذة أروى، حيث لا يزال طيفُ "الأب الجد" حاضراً وشاخساً في النجاح الأكاديمي والمهني للأحفاد. أربعة من أحفاده يخطون اليوم خطواتهم الأخيرة في كليات الطب والعلوم الصحية، حاملين في عقولهم وضمائرهم أمانة العلم التي زرعها جدهم في أيام الشدة.
إنها ليست قصة اغتيالٍ لجسدٍ على طريق مقفر فحسب، بل هي قصةُ انتصارِ روحٍ على النسيان، وإرثٍ حيٍّ يأبى إلا أن يزهر في دروب المستقبل والأمل. إن الوفاء والأصالة هما الدافع الحقيقي خلف هذه الكلمات التي تنشد الإنصاف لرجل ظلمته كواليس السياسة وأنصفته ذاكرة الناس والمواقف الشريفة.
الفصل الأول: النشأة والبيئة الأولى والتدرج التنظيمي في ديالى
لم تكن "شهربان" (المقدادية) مجرد بقعة جغرافية على خارطة محافظة ديالى، بل كانت الرحم الروحي والفكري والإنساني الذي تشكّلت فيه الملامح الأولى لشخصية فليح حسن الجاسم. تلك الأرض المعطاءة التي تفوح بعبق بساتين الرمان والبرتقال وتستند إلى تاريخٍ ضارب في القدم وعشائر عربية عريقة، كانت هي المدرسة الأولى في بناء الشخصية القيادية التي تعلّم فيها الفتى أن الجذور هي التي تمنح الشجرة ثباتها وقوتها أمام الرياح العاتية.
وُلد فليح حسن الجاسم التميمي عام 1940 في قرية "العواشق" التابعة لناحية أبي صيدا ضمن قضاء المقدادية (شهربان) في محافظة ديالى. نشأ في أسرة ريفية عريقة وميسورة الحال؛ كان والده (المرحوم حسن) يعمل في تجارة الحبوب والخيرات بين بغداد والموصل ويملك بستاناً وعقارات في القرية، وينتمي إلى عائلة معروفة بالجاه والسمعة الطيبة والمروءة بين أبناء عشائر ديالى. نشأ فليح وهو يرى في ملامح أهله شموخ النخيل وتواضع الفلاحين؛ تلك التوليفة النادرة التي صنعت منه لاحقاً قائداً يدرك تماماً أن "السلطة الإدارية" هي أمانة ثقيلة يُسأل عنها المرء أمام الله والتاريخ، وليست امتيازاً شخصياً للمفاخرة واستغلال النفوذ.
أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة في مدارس الناحية والقضاء بتفوق وانضباط عاليين، ثم التحق بـ "دار المعلمين" في مدينة بعقوبة وتخرج منها معلماً مربياً عام 1958. ولم يقف طموحه العلمي عند هذا الحد، بل نال لاحقاً شهادة البكالوريوس من كلية القانون بالجامعة المستنصرية عام 1975، ليجمع ببراعة بين أمانة التربية والتعليم وبين رصانة القانون والحوكمة.
المسار السياسي والتدرج الحزبي والتنظيمي:
انتسب فليح حسن الجاسم إلى حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1956 في دار المعلمين ببعقوبة، وتدرج في الهيكل التنظيمي والإداري بكفاءة وانضباط مشهودين:
- عام 1963: تولى مسؤولية تنظيمات الحزب في قضاء المقدادية وكان رئيساً للحرس القومي هناك.
- 18 تشرين 1963: أُعتقل إبان أحداث حركة 18 تشرين الثاني ونُفي ليعمل معلماً في قرية (اللامية) البصيرة بعيداً عن أهله.
- الفترة (1968 - 1970): تولى مسؤولية فرقة الحزب في شهربان.
- الفترة (1970 - 1972): شغل موقع مسؤول شعبة الحزب في قضاء المقدادية.
- الفترة (1972 - 1974): ارتقى ليصبح أمين سر فرع ديالى للحزب.
كانت هذه السنوات انعكاساً لعقلٍ متقدٍ يبحث دائماً عن القيمة المضافة في العمل المؤسسي والخدمة العامة، حيث عُرِف بين أقرانه ومسؤوليه بالهدوء الرصين والقدرة العالية على التخطيط والاستشراف الإستراتيجي، مع ارتباطٍ وجداني وثيق بالجذور جعل منه قائداً يضع مصلحة الناس والمبادئ فوق كل اعتبار حزبياً كان أم شخصياً.
الفصل الثاني: مناصب الدولة والحفاظ على النزاهة والمال العام
لم يكن ارتقاء فليح حسن الجاسم في سلم المناصب العليا في الدولة العراقية مدفوعاً بطموحٍ ضيق أو سعي وراء الأضواء، بل كان مسيرةً تراكمية لجهد رجلٍ مهني وجد في مؤسسات الدولة ساحة حقيقية لتنفيذ رؤية وطنية شاملة لتطوير القطاعين الإداري والصناعي. فجدول مناصبه التنفيذية والقيادية يظهر حجم الثقة العالية والإدارة الوطنية الشاملة التي تمتع بها:
| الفترة الزمنية | المنصب الإداري والحزبي | طبيعة المسؤولية الموكلة إليه |
|---|---|---|
| 1974 – 1975 | محافظ نينوى (الموصل) | إدارة ثاني أكبر المحافظات العراقية وتنفيذ مشاريع البنية التحتية. |
| 1975 – 1976 | وكيل وزارة الداخلية لشؤون الإدارة العامة | تنظيم الإدارة المحلية والشؤون الإدارية والأمنية المؤسسية في البلاد. |
| 1976 – 1977 | وزير الصناعة والمعادن | إرساء قواعد التنمية وبناء المصانع العملاقة والمشاريع الاستراتيجية. |
| 1977 | وزير دولة لشؤون التنسيق مع هيئات الحكم الذاتي | إدارة الملفات السياسية والتنفيذية في منطقة كردستان العراق. |
| 1977 | عضو القيادة القطرية للحزب – مسؤول تنظيمات الشمال | الإشراف القيادي والتنظيمي الأعلى على المحافظات الشمالية. |
في تلك السنوات الذهبية، كان فليح يمثل طرازاً خاصاً ونادراً من القياديين الإداريين؛ أولئك الذين يدمجون بين الحوكمة والصرامة التنفيذية في نبرة صوتهم وحضورهم، وبين التواضع الفطري والنزاهة المطلقة والشفافية في إدارة المال العام.
كان يقرأ التقارير المالية والإدارية بتمعن شديد، ويستمع لموظفيه بإنصات واحترام كاملين، وكأنه كان يعلم بيقين المؤمن أن المنصب مرحلة عابرة، وأن الأثر الطيب والنزاهة هما الباقيان في سجل الخلود. وكان بيته الشخصي -الذي كان قيد الإنشاء في ذلك الوقت- شاهداً حياً ومادياً على أن يد هذا الوزير لم تمتد يوماً لتقتطع من قوت الشعب أو ميزانية الدولة فلساً واحداً، وحيث خانه الحظ في إكمال البيت سريعاً لأنه اعتمد فقط على راتبه الحكومي وبجهده العرقي الخاص، فارضاً احترامه على جميع من عملوا معه.
الفصل الثالث: المحك الأكبر.. أحداث (خان النص 1977) والموقف القانوني الصلب
في فبراير/شباط عام 1977، وأثناء مسيرة صفَر (زيارة الأربعين) المعتادة إلى مدينة كربلاء المقدسة، وتحديداً خلال التجمع الجماهيري الكبير في مراسم (خان النص)، خرجت مظاهرات راجلة رفعت شعارات سياسية معادية للسلطة القائمة آنذاك. جابهت السلطة الحاكمة هذه المظاهرات بموجة شديدة من الاعتقالات الشاملة التي طالت المئات من المواطنين والشباب المشاركين.
على إثر ذلك، تشكّلت محكمة خاصة لملاحقة ومحاكمة المشاركين في هذه الأحداث، وتكونت اللجنة القيادية/المحكمة من:
- الدكتور عزت مصطفى العاني (وزير الصحة والبلديات السابق) – رئيساً.
- فليح حسن الجاسم (عضو القيادة القطرية والوزير) – عضواً.
- حسن العامري (القيادي في الحزب والدولة) – عضواً.
وجهة النظر القانونية والرفض الشامخ:
بعد الانتقال الميداني والاطلاع المباشر والتدقيق في أوراق المتهمين، تبيّن لكل من (عزت مصطفى) و(فليح حسن الجاسم) أن غالبية المعتقلين لم يدخلوا في مخطط انقلابي مسلح أو تنظيمي موجه لمناهضة نظام الحكم، وإنما كان تجمهرهم يدخل في إطار ممارسة الشعائر الدينية والتعبير العاطفي عن الرأي.
- الرؤية القانونية المستقلة: كان رأي المرحوم فليح حسن الجاسم يستند إلى فهم قانوني وإنساني رصين؛ إذ أكد أن إحالة هؤلاء المتهمين إلى المحاكم المختصة الاعتيادية هو المسار الأكثر إنصافاً ودقة في التحقيق، باعتبارها جهة الاختصاص القضائية القادرة على تحديد التهمة وتقدير العقوبة المناسبة قانونياً للواقعة المعنية، بعيداً عن المحكمة الخاصة التي قد يطغى عليها الموقف السياسي المعادي والضغط السلطوي، مما يؤدي إلى تشديد العقوبة وأحكام الإعدام الجماعية خارج نطاق قواعد العدالة والانصاف.
- الموقف والمبدأ: أصر فليح حسن الجاسم وزميله الدكتور عزت مصطفى العاني على موقفهما الشجاع ورفضا التوقيع على قرارات المحكمة الخاصة الجائرة القاضية بإعدام عدد كبير من المتهمين، كون القرارات مبنية على وجهة نظر سياسية وليست أحكاماً قانونية عادلة.
- التفسير السياسي الجائر: هذا القرار الجريء الذي اتخذه فليح من منطلق [حرية الرأي واستقلال القضاء والضمير الأخلاقي]، تم تفسيره من قبل القيادة العليا للسلطة آنذاك على أنه [تمرّد سياسي وتحدٍ لقرارات القيادة].
عُقد على الفور مؤتمر قطري استثنائي للحزب، وصدر قرارٌ صارم وقاسٍ بإعفاء فليح حسن الجاسم والدكتور عزت مصطفى من جميع مناصبهما الحكومية والحزبية، وطردهما النهائي من الحزب وتجريدهما من كافة الامتيازات.
الفصل الرابع: التجريد والإبعاد والعودة لشرف مهنة التعليم
لم تتوقف العقوبة عند حد التجريد من المناصب، بل أُتبع ذلك بإبعاد جغرافي وقسري للوزيرين لمنعهما من أي تأثير سياسي أو اجتماعي:
- الدكتور عزت مصطفى: أُبعد ليعمل طبيباً مساعداً في مستشفى ناحية الشرقاط البسيطة جنوب مدينة الموصل.
- فليح حسن الجاسم: أُبعد ليعمل معلماً في إحدى المدارس الابتدائية بـ ناحية العَلَم التابعة لمحافظة صلاح الدين (تكريت)، تحت الإقامة الجبرية والتضييق الأمني الشديد.
هناك في ناحية العلم، تجلت العظمة الحقيقية لهذا الرجل؛ فلم ينزوِ باكتئاب، ولم يتوسل العفو، بل واجه مصيره بصمت الشجعان الشامخين، وعاد ممسكاً بالطباشير ليعلم الصغار الحروف والمبادئ الوطنية بعد أن كان يوجه دفة وزارة الصناعة والمعادن وشؤون الداخلية في البلاد.
موقف الـ Fiat والـ Mercedes (ذروة الكبرياء والكرامة):
وفي أثناء فترة إقامته الجبرية بناحية العلم، وبينما كان يؤدي واجب العزاء في أحد المجالس (الفواتح)، وصل "صدام حسين" بشكل مفاجئ إلى مجلس العزاء. التقت العيون، وتقدم صدام نحو فليح، وسلم عليه باحترام، وطلب منه الانفراد جانباً للحديث بعيداً عن عيون الحاضرين.
خرجا معاً خارج قاعة العزاء، ودار بينهما حديث مطول وشخصي، وفي غمرة الكلام وتفقد الأحوال، التفت صدام يميناً ويساراً وسأله قائلاً: "أين سيارتك يا فليح؟". فأشار فليح بيده الهادئة نحو سيارة بسيطة جداً وصغيرة من نوع (Fiat GL) بيضاء اللون، إيطالية الصنع (موديل 1975، مسجلة برقم 333 مديرية مرور صلاح الدين) كانت تقف على جانب الطريق المقفر، وهي كل ما يملكه بعد سنوات وزارته.
هنا، أخرج صدام من جيبه مفتاح سيارة (Mercedes) حديثة وفارهة، ومد يده ليمنحه إياها كهدية أو كبادرة لتليين ذلك الكبرياء الصلب وإعادة الوصل. لكن فليح حسن الجاسم، بنظرته الرزينة التي لا تنكسر وبنفسه العزيزة التي تربت في بساتين شهربان، اعتذر بهدوء تام ونبل شديد عن استلام المفتاح وقبول الهدية الفارهة، مفضلاً سيارته الـ (Fiat) البسيطة التي تشبه حاله وحال عامة الناس، ومنهياً اللقاء دون أن يبيع مواقفه أو يشتري رضا السلطة بمكاسب مادية.
بعد هذا الموقف الشهير، رُفعت عنه الإقامة الجبرية ونُقل وصُرّح له بالعودة إلى مسقط رأسه في "المقدادية" (شهربان). ولأن الوزير السابق لم يكن يملك داراً خاصة به للسكن بسبب نزاهته ونظافة يده المطلقة، فقد استقر به وبأسرته المقام في دار تعود لأهل زوجته (بيت علوان منصور).
ومن المفارقات التي تُروى في سيرة نزاهته وزهده، أن نقابة المعلمين في "المقدادية" خصصت له قطعة الأرض رقم (1) تكريماً له وباعتباره زميلاً للمعلّمين؛ لكنه رفض هذا العرض رداً قاطعاً وقائلاً:
"أنا الآن في منصب وزير، وهنالك من هو أحق وأحوج مني بهذه الأرض."رحل عن الدنيا بعد أن شرعت عقيلته بشراء قطعة أرض من مالها الخاص وبناء دارٍ حملت ديناً بذمته بـ (23) ألف دينار؛ ليرحل ناصع اليدين نقي السيرة.
الفصل الخامس: المرآة الجماعية.. شهادات حية وشاخصة من الواقع
لم يكن فليح حسن الجاسم قائداً يعيش في برجٍ عاجي، بل كان شخصيةً إنسانية فريدة تتقاطع عندها حكايات البسطاء والرفاق والخصوم وأبناء مدينته وقريته:
تتوارث الأجيال في قرية "العواشق" العريقة مشاهد التواضع الفطري لهذا الرجل الفاضل؛ فبالرغم من وصوله إلى أعلى قمم السلطة والمسؤولية كوزير ومحافظ وعضو قيادة، إلا أنه ظل مخلصاً لوطنه وقريته، محباً للخير والجميع. ينقل أحد أبناء القرية ممن عاصروا تلك الأيام بشرف وفخر قائلاً:
"الأستاذ والمربي الفاضل والخلوق والمتواضع هو ابن قريتي العريقة العواشق وأنا افتخر به، كان مخلصاً في عمله، مخلصاً لوطنه، محباً للخير، يحب الجميع وهو ابن عائلة معروفة. وأنا رأيته عندما يأتي إلى قريتنا يأتي بسيارته الخاصة وبدون حمايات، وقبل أن يذهب إلى بيت والده المرحوم حسن رحمه الله، كان يدخل إلى القهوة في بداية القرية ويسلم على الجميع من كبيرهم إلى صغيرهم ويجلس معهم ويتابع اخبارهم ويسأل عنهم واحداً بعد واحد."
- في دكان الحلاق "خماس الزيدان": يروي الحلاق البسيط الذي كان فليح أحد زبائنه الدائمين، كيف أن هذا الرجل لم ينقطع عن ارتياد دكانه المتواضع حتى وهو في أوج مسؤوليته ومناصبه الوزارية. كان الوزير يأتي، ينزع هيبة السلطة عند عتبة الباب، ويجلس كأي مواطن بسيط ينتظر دوره، يتجاذب أطراف الحديث مع الحلاق وأهل المنطقة بأدب جم ونبرة صوت خفيضة دافئة.
- في الرؤية الاستراتيجية: يتحدث الصديق "أحمد قدوري"، ومعه "علوان منصور" عن تلك الجلسات الخاصة والعميقة مع فليح؛ حيث كان يخلع ثوب السياسي المكبّل بالبروتوكولات ليظهر كمفكر استراتيجي يحمل رؤية تحليلية شاملة للتحولات السياسية والاقتصادية يقرأ بها أحداث المستقبل ببعد نظر عجيب.
- النزاهة والعدالة مع الخصوم السياسيين: تنقل شهادات تاريخية منصفة من أفراد في الحزب الشيوعي العراقي عن موقف إنساني نبيل وقفه فليح حسن الجاسم معهم يوم سجنوا وتعرضوا للملاحقة؛ حيث تجلى معدنه الأصيل في التعامل بإنسانية ورحمة وعدالة مع المختلفين معه فكرياً، مؤكداً أن الخلاف السياسي لا يعني تجريد الإنسان من كرامته.
- البناء التربوي والروحي: يبرز اسم الأستاذ الفاضل فليح حسن الجاسم كمعلم ملهِم للدكتور غالب لطيف العزاوي في مراحل دراسته الأولى، حيث يؤكد الدكتور غالب أن الراحل كان له الدور الجوهري والمباشر في صقل وتوجيه التوجهات الأخلاقية والتربوية المعتدلة في نفوس تلامذته.
الفصل السادس: تفاصيل الاغتيال والرحيل الخالد (9 أغسطس 1982)
بعد سنوات من الإبعاد والإقامة الجبرية والتضييق الأمني المستمر، وفي أثناء قضائه عطلة الصيف مع عائلته في مسقط رأسه بقضاء المقدادية، كانت أيادي الغدر تصيغ المشهد الأخير لهذه المأساة الوطنية.
ففي مساء التاسعة (9:00 مساءً) من اليوم التاسع من شهر آب (أغسطس) عام 1982، قُرْبَ مكتب تجنيد المقدادية ومقابل "بنزينخانة شهربان"، كانت تفاصيل الغدر حاضرة. انتظرته سيارة من نوع سوبر 82 بيضاء اللون، نزل منها اثنان وأطلقا الرصاص عليه أثناء عودته من سوق المقدادية ليغتالوا الجسد الفاني، وتتحقق نهاية رحلة رجلٍ رفض الانحناء أو المساومة على مبادئه.
رحل الفقيد الكبير فليح حسن الجاسم وهو في أوج عطائه، تاركاً زوجة صابرة ومربية فاضلة وسبعة من الأطفال (ثلاثة ذكور وأربع بنات: الدكتور محمد والمهندس حيدر والأستاذ مصطفى، والدكتورة سيناء والدكتورة تقوى والأستاذة أروى وبنت أخرى)، وتوفي وهو يحمل ديناً بحدود 23 ألف دينار لقاء بناء دار العائلة، ليرحل ناصع اليدين نقي السيرة والسريرة.
الخاتمة: الدرس الأخير.. الاستثمار في الإنسان وبناء الأجيال
في نهاية المطاف وفصول هذه الرحلة الإنسانية الشاهقة بين قمم السلطة الوزارية وصمت الصفوف الدراسية البسيطة، نكتشف بيقين لا يداخله شك أن قصة فليح حسن الجاسم لم تنتهِ ولم تُطوَ صفحاتها برصاصات الغدر الجبانة. إن من يظن أن رصاصات الاغتيال تملك القدرة على محو أثر الرجال العظام فهو واهم؛ فالرصاص قد يوقف دقات الجسد الفاني، لكنه يقف عاجزاً ومكسوراً أمام روحٍ حية تربت على الشرف والشموخ والنزاهة.
لقد عاش فليح حسن الجاسم معلماً حقيقياً في أفعاله ومواقفه اليومية قبل أن يكون معلماً بطباشيره في مدرسته؛ علّمنا بفعله وزهده أن القيادة الحقيقية والسمعة المؤسسية ليست في طول مواكب الحراسة، ولا في فخامة المكاتب، ولا في جمع العقارات والقصور، بل في القدرة على مواجهة تقلبات الأيام وعواصف السياسة دون أن تنحني القامة أو تتلوث اليد.
واليوم، حين ننظر بفخر واعتزاز إلى مخرجات هذا البناء التربوي والأخلاقي، ونرى أحفاده الأربعة وهم يخطون بثبات وتميز خطواتهم الأخيرة في كليات الطب والعلوم الطبية يدرسون ليداووا جراح الناس، ندرك الحقيقة الساطعة كالشمس: أن فليح حسن الجاسم لم يمت أبداً، بل امتد وتجذر في عقول جيل جديد يحمل مبادئه. امتد في نسلٍ طيب يخدم الإنسانية بالعلم، وفي ذكرى عطرة وباقية في نفوس أهل مدينته، وفي ضمير كل عراقي شريف يؤمن أن هذا الرجل كان صك كرامة وشرف للوطن كله.
إلى "ابن شهربان" البار، إلى الوزير المعلم الذي رحل واقفاً كالنخيل ولم تنحنِ له قامة ولا موقف.. نكتب هذه الكلمات بمداد الوفاء والإنصاف، لا لنبكي رحيلك المأساوي، بل لنحتفي بـ "بقائك الخالد" في ذاكرة مدينتك ديالى التي تفتخر بك اليوم وتضع سيرتك تاجاً على رأسها. لقد تركت للأجيال درساً أخلاقياً بليغاً سيظل حياً ونابضاً ما دام هناك قلم شريف يكتب التاريخ بإنصاف: أن الكراسي تزول، والمناصب تتلاشى، والأموال تفنى، ولكن أثر النزاهة وشرف الموقف ونقاء السريرة هي وحدها الأشياء التي لا يغادرها الخلود.
رسالة تقدير ووفاء: إلى المربية الفاضلة الحاجة باسمة علوان منصور
تحية إجلال وإكبار، ومحبة ملؤها الفخر والاعتزاز، نُزجيها إلى القامة التربوية السامقة والأم الصابرة المعطاء، الست والحاجة باسمة علوان منصور زوجة الوزير الراحل فليح حسن الجاسم (أم محمد). تلك السيدة الفاضلة التي لم تكن مجرد مربية أجيال غَرَست قيم العلم والمعرفة في نفوس تلامذتها، بل كانت—وقبل كل شيء—رمزاً حياً للتضحية والثبات.
لقد حملتِ الأمانة والمسؤولية في أحلك الظروف وأصعب الأيام، فكنتِ كالشجرة الطيبة الوارفة الظلال، التي تحدّت العواصف بصلابة وصبر مؤمن، لترعى وتحمي وتبني. إن مسيرتكِ الحافلة بالعطاء ليست مجرد صفحات في سجل التربية، بل هي قصة كفاح ومدرسة في الصبر والوفاء تلهم كل من حولك.
لمزيد من الإضاءة حول السيرة الذاتية والأحداث التي رافقت محاكمة 1977 وموقفه الأخير، يمكن الاطلاع على السرد التوثيقي المتوفر في هذا المقطع:
سيرة فليح حسن الجاسم وموقفه في المحكمة الخاصة (شاهد الفيديو على يوتيوب).
