سامي خوندة وثورة العشرين: سيرة ثائر بغدادي من الحيدرخانة لمنفى هنجام
بقلم: مالك المهداوي.
في جلسة بحثية جمعتني بالنسّاب السيد كريم المهداوي لتدقيق مشجرات عشيرة المهدية البغدادية العريقة، برز اسم عائلة خوندة ليعيد رسم ملامح النضال الوطني العراقي. لم تكن هذه العائلة مجرد بيت بغدادي عتيق نال لقبه العلمي بفرمان عثماني رفيع، بل كانت شرياناً حيّاً في قلب ثورة العشرين الوطنية.
|
| سامي خوندة المهداوي وثورة العشرين: سيرة ثائر بغدادي من الحيدرخانة لمنفى هنجام. |
وتتجلى عظمة هذا التاريخ في سيرة المناضل سامي عبد الله خوندة؛ الشخصية العراقية الفذة التي جمعت بين الفكر الثوري، والقيادة الميدانية، والإسهام الصحفي. من أروقة جامع الحيدرخانة إلى معارك تحرير بعقوبة برفقة ضباط حرس الاستقلال، رسم خوندة مساراً نضالياً أفضى به إلى المنفى في جزيرة هنجام.
إن تسليط الضوء على هذه السيرة الوضاءة لا يمثل استعادةً لرمز من رموز المقاومة الوطنية فحسب، بل هو توثيق لأصل عشائري مجيد يرتبط بقبيلة عبادة وآل مهداوي، ليبقى تاريخ العراق السياسي والأدبي شاهداً على مآثر رجاله الأوفياء عبر العقود.
جذور وأصالة: النسب العشائري لبيت خوندة وتاريخ محلة المهدية
تضرب عائلة خوندة البغدادية بذورها في عمق التاريخ العراقي والعشائري؛ إذ ترجع أصولها إلى قبيلة عبادة العربية المهدية العريقة، وتحديداً من فرع المزارعين الذين استقروا في أراضي "العريفية" المحاذية لنهر ديالى قرب قضاء المدائن. لم يكن بيت خوندة مجرد عائلة بغدادية أرستقراطية، بل شكّل محطّة تقاطع فريدة بين النضال العسكري، والتصوف العلمي، والوجاهة الاجتماعية التي امتدت لقرون.
قصة اللقب العثماني: كيف تحول "الملا معروف العبادي" إلى لقب "خوندة"؟
نال الجد الخامس للأسرّة، الملا معروف العبادي بن الحاج أبي بكر المهدي، وابنه من بعده لقب (خوندة) الممنوح بفرمان عثماني خاص؛ وهو لقب تشريفي رُفيع معناه "العالِم" يُمنح للعلماء البارزين ورجال الدين المرموقين. وقد ثبتت هذه الصفة في الوثائق الشرعية والمستمسكات التاريخية للأسرة في المحاكم البغدادية.
التواجد في بغداد: نقش المعارك مع السلطان مراد الرابع وتأسيس محلة المهدية
يعود الاستقرار الفعلي للأسرة في قلب بغداد إلى مشاركة الملا معروف العبادي مع العشائر العربية في معارك استعادة بغداد تحت قيادة السلطان مراد الرابع. وإثر النصر، أنزلهم السلطان في الرصافة، لتُسمّى المنطقة لاحقاً بـ محلة المهدية نسبة إلى عشيرتهم، قبل أن ينتقل أحفادهم إلى محلة جديد حسن باشا الشهيرة بجوار مقهى المسبغة ومراكز القرار.
أواصر المصاهرة والروابط: الامتداد العشائري بين آل الوتري والبو عباس
تكاملت المكانة الاجتماعية لبيت خوندة عبر شبكة مصاهرات تاريخية وثيقة؛ حيث ترتبط العائلة بعلاقات خؤولة ومتينة مع آل الوتري، وهي من أبرز العائلات العلمية والدينية في بغداد منذ قرابة خمسة أجيال، إلى جانب امتدادهم العشائري الوثيق مع عشيرة البو عباس في مدينة سامراء، مما جعل للأسرة ثقلاً اجتماعياً وثقافياً ممتداً عبر جغرافية العراق.
نشأة ثائر: من أروقة التعليم إلى منبر جامع الحيدرخانة
في قلب بغداد النابض بالحراك الفكري والسياسي، نبتت الشخصية الوطنية لـ سامي عبد الله خوندة؛ ولد سامي عبد الله خوندة في بغداد عام 1901م في أسرة بغدادية عريقة، ونشأ في بيئة تزاوج بين الفضل والأدب والنضال. حيث امتزج البيئة العشائرية العلمية بالوعي المتقد المتأثر بالتحولات الكبرى التي شهدها العراق أواخر العهد العثماني وبداية الاحتلال البريطاني.
تشكّل هذا الثائر بين محال بغداد القديمة، ليكون واحداً من الرعيل الأول الذي تحوّل من أروقة العلم والتنوير إلى قيادة المواجهة الوطنية في الشارع العراقي.
التعليم المبكر: التكوين العلمي في المدرسة الحميدية
بدأت المحطة العلمية لسامي خوندة في أواخر العهد الحميدي، حيث الحقّه والده سنة 1908م (1326هـ) بـ المدرسة الحميدية الواقعة بالقرب من المحاكم المدنية ومتصرفية لواء بغداد (موقع مدرسة الحقوق ودائرة التنفيذ لاحقاً).
منحته هذه البيئة التعليمية في مركز القرار البغدادي انضباطاً فكرياً وثقافة قانونية ولغوية رصينة، أهّلته مستقبلاً ليكون خطيباً مؤثراً، وصحفياً لامعاً، ومصلحاً يدرك أبعاد الصراع السياسي والإداري في البلاد.
التعليم والتجنيد في الجيش العثماني
تلقى خوندة تعليمه الأول في المدرسة الحميدية ثم المدرسة الرشيدية العسكرية، وانتقل بعدها إلى مدرسة الإعداد الملكي (السلطانية) ليملأ شغفه بالعسكرية، حيث تخرج منها عام 1916م برتبة وكيل ضابط وسرعان ما رُقي إلى رتبة ملازم في الجيش العثماني. عُيّن في فوج المدفعية تحت قيادة ضباط ألمان، ثم التحق بالفيلق العثماني السابع في جبهة حلب.
القتال في جبهة فلسطين، الإصابة والأسر
مع اشتداد أوار الحرب العالمية الأولى، نُسب الملازم سامي خوندة في تشرين الأول 1917م إلى جبهة فلسطين لخوض المعارك ضد القوات البريطانية. أبدى شجاعة فائقة في أرض المعركة حتى أُصيب بجراح جراء القتال ونُقل على إثرها إلى مستشفى حيفا للعلاج. وعند احتلال البريطانيين لمدينة حيفا في آب 1918م، سقط خوندة جريحاً في الأسر، ونُقل إلى معتقلات الأسراء البريطانية في مصر، وظل يقاوم مرارة الأسر حتى أُطلق سراحه وعاد مرفوع الرأس إلى بغداد عام 1919م ليبدأ فصل جديداً من النضال.
الحراك الوطني الأول: الشرارة البغدادية وتنظيم المظاهرات ضد الاحتلال البريطاني
مع فرض الانتداب البريطاني عقب الحرب العالمية الأولى، برز سامي خوندة كأحد الشباب الوطنيين الأحرار المنظمين للحراك الجماهيري. تحول جامع الحيدرخانة في شارع الرشيد إلى مركز للثورة البغدادية، وكان خوندة في صلب الاجتماعات التنسيقية إلى جانب رجالات الحركة الوطنية مثل جعفر أبو التمن وعلي البازركان.
ساهم بفاعلية في صياغة البيانات النضالية، وتنظيم التظاهرات السلمية، والتنسيق بين علماء الدين ورؤساء العشائر لتأجيج الرفض الشعبي ضد السياسات الاستعمارية، ليشكل ذلك الشرارة الأولى لمشاركته الميدانية والصحفية الكبرى في ثورة العشرين الخالدة.
النضال الميداني والعسكري: تحرير بعقوبة ودور حرس الاستقلال
تجلّت البطولات الميدانية للثائر سامي عبد الله خوندة حين امتدت شرارة ثورة العشرين من بغداد إلى قضاء ديالى. لم يقتصر دوره على الخطابة والتحريض الفكري، بل تحول إلى العمل العسكري والتنسيقي المباشر من خلال تنظيمات جمعية حرس الاستقلال، ليكون أحد الهندسات القيادية التي أدارت عملية تحرير مدينة بعقوبة وطرد الإدارة البريطانية منها.
التنسيق القيادي: وصول سامي خوندة وشاكر محمود قنبر علي إلى بعقوبة
مع اشتعال الثورة، تسلل سامي خوندة برفقة الثائر شاكر محمود (من محلة قنبر علي) إلى بعقوبة بناءً على توجيهات قيادة حرس الاستقلال. عَمِلا فور وصولهما على تشكيل غرفة عمليات سرية لتنسيق الجهود بين ثوار العشائر والضباط الوطنيين، وإرسال التعليمات التكتيكية لضمان إحكام السيطرة على المفاصل الحيوية للمدينة.
المواجهة المباشرة: إدارة المعارك بمشاركة الضباط الدائميين والاحتياط
أشرف خوندة على توزيع المهام العسكرية وإدارة خطوط المواجهة، حيث التحق بالثورة عدد من الضباط العراقيين الدائميين والاحتياط ممن امتلكوا خبرات ميدانية من العهد العثماني. خاض الثوار معارك ضارية ضد القوات البريطانية وحامياتها، أظهرت تماسكاً تكتيكياً وقيادة شجاعة حسمت الميدان لصالح العشائر والمقاتلين الوطنيين.
لحظة النصر: اتخاذ البريد مقراً قيادياً ورفع حسين علي للعلم العراقي
تُوجت الملحمة بسقوط الحامية البريطانية واستيلاء الثوار على بناية البريد والبرق، والتي اتُخذت فوراً مقراً قيادياً لإدارة الشؤون العسكرية والإدارية للمدينة. وفي لحظة تاريخية مهيبة، قام المجاهد حسين علي برفع العلم العراقي فوق المبنى، معلناً تحرير بعقوبة وإقامة السلطة الوطنية المستقلة فيها.
4. القلم المتمرد: السلاح الصحفي والأدبي لسامي خوندة
لم تكن بندقية الثائر هي سلاحه الوحيد في وجه الاحتلال، بل كان قلمه وفكره يمثلان جبهة لا تقل شراسة عن ميادين القتال. امتلك سامي عبد الله خوندة ناصية البيان واللغة الرصينة، فسخّر طاقاته الصحفية والأدبية لخدمة القضية الوطنية، ليكون صوتاً مدوّياً يُعبّر عن تطلعات الشعب العراقي في نيل الحرية والاستقلال، ومؤرخاً لمرارات المظالم الاستعمارية.
صوت ثورة العشرين: إدارة وتحرير مقالات "جريدة الاستقلال"
انضم سامي خوندة إلى هيئة تحرير جريدة الاستقلال البغدادية التي أسسها رفيقه عبد الغفور البدري عام 1920، لتكون اللسان الناطق باسم الثورة. تولى خوندة كتابة المقالات الافتتاحية والتحليلية التي فندت ادعاءات سلطات الانتداب، ونقلت بصدق أخبار الانتصارات الميدانية في ديالى والفرات الأوسط. كانت مقالاته الجريئة تُطبَع سراً وتُوزَّع في المحافِل والمساجد لتأجيج الحماس الشعبي ورفع الوعي السياسي ضد سياسات السير أرنولد ويلسون.
الريادة السردية: خوندة وبدايات الرواية والقصة الوطنية في العراق
يُعد سامي خوندة من الرعيل الأول ورواد الحركة القصصية والرواية العراقية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي. صاغ نصوصاً سردية وروايات قصيرة استمدت موضوعاتها من الواقع البغدادي المعاش، والتحولات الاجتماعية والسياسية التي أعقبت ثورة العشرين. تميزت أعماله بالتركيز على معاناة الطبقات الشعبية، وتوثيق نضال الشخصية العراقية في قالب أدبي درامي مبكر، مما جعل منه علامة فارقة في تاريخ الأدب والسرد الوطني.
محنة المنفى: أحرار العراق في جزيرة هنجام
عقب تصاعد المظاهرات الحاشدة التي نظمتها جمعية حرس الاستقلال وحزب العهد الوطني عام 1922، ضاقت سلطات الاحتلال البريطاني ذرعاً بالحراك السياسي والشعبي في بغداد. ولشلّ حركة الثورة وقادتها، شنت الحاكمية العسكرية حملة اعتقالات واسعة استهدفت رموز الحيدرخانة، وكان في مقدمتهم الثائر سامي عبد الله خوندة وشقيقه المحامي نوري خوندة، ليصدر القرار الجائر بنفيهم قسراً خارج البلاد.
رحلة الاعتقال والتهجير القسري إلى الخليج العربي
سيق الأحرار المعتقلون تحت حراسة مشددة نحو البصرة، ومنها أُرغموا على ركوب السفن الحربية البريطانية عبر مياه الخليج العربي menuju المعتقل النفي النائي. كانت الوجهة هي جزيرة هنجام (بنجان) المعزولة قبالة مضيق هرمز، حيث فرضت سلطات الانتداب حصاراً شديداً على المنفيين لمنع وصول أصواتهم ورسائلهم إلى الجماهير الثائرة في الداخل العراقي.
الجزيرة المعزولة: كيف تحول المعتقل إلى برلمان وطني لمستقبل العراق؟
رغم قسوة المناخ والحرارة القاتلة ورطوبة الخليج الخانقة، لم تكسر الغربة عزيمة الثوار. تحولت جزيرة هنجام بوجود سامي خوندة، وشقيقه المحامي نوري خونده، وجعفر أبو التمن، ومحمد باقر الشبيبي، ويوسف السويدي إلى برلمان وطني مصغر. خاض فيه القادة حوارات فكرية وسياسية عميقة حول شكل الدولة العراقية المرتقبة، ودستورها، وآليات إدارة مؤسساتها الوطنية فور نيل الاستقلال.
العودة المظفرة: العفو العام واستئناف العطاء الوطني عام 1923
تحت وطأة الضغط الشعبي المتزايد والمطالبات المستمرة من العشائر والعلماء في العراق، اضطرت الحكومة البريطانية لإصدار عفو عام عن المنفيين. عاد سامي خوندة إلى بغداد عام 1923 مُتوجاً بثباته على المبدأ، ليستقبله البغداديون بحفاوة بالغة، وليستأنف مسيرته الوطنية والتربوية في خدمة المجتمع العراقي.
المسيرة المدنية والإرث الأسري: من المؤسسات إلى القمم العلمية والفنية
بعد عودته من منفى "هنجام"، اتجه سامي عبد الله خوندة لاستكمال جهاده الوطني عبر بوابة أخرى لا تقل أهمية؛ تمثلت في بناء دولة المؤسسات التعليمية والقانونية، وتربية جيل عراقي جديد يحمل روح العلم والاستقلال، وصولاً إلى إهداء العراق قممًا سامية في مجالي الطب والموسيقى.
الخدمة الإدارية والتربوية: إدارة المدارس والعمل في وزارة العدل
سخّر خوندة خبراته الإدارية واللغوية للنهوض بالواقع التعليمي، فعمل مدرساً ومديراً لعدد من المدارس البغدادية الرائدة، قبل أن ينتقل للعمل في ديوان وزارة المعارف (التعليم). وفي عام 1937، انتقل للعمل في وزارة العدل، حيث استمر في خدمة المرفق القضائي والإداري بأمانة ونزاهة مشهودتين حتى أحيل على التقاعد عام 1958م، متوجاً مسيرة أربعين عاماً من النضال والعطاء المدني.
الأستاذ الدكتور سرمد سامي خوندة: قامة طبية وعلمية عراقية رائدة
امتدت شجرة آل خوندة المعطاءة لتثمر قامات عليمة قدمت خدمات جليلة للإنسانية، وكان في مقدمتهم ابنه الأستاذ الدكتور سرمد سامي خوندة (مواليد بغداد 1937م). يُعد الدكتور سرمد من أعمدة وجراحي الطب الرائدين في العراق، حيث تخرج من كلية الطب بجامعة بغداد عام 1961م، ونال زمالة الكلية الملكية البريطانية لأطباء النساء والتوليد (FRCOG). شغل موقع الأستاذية في كلية الطب ببغداد، وخرّج أجيالاً من الأطباء، وتُسجل له بحوث علمية وتطويرات جراحية رائدة في اختصاص جراحة النسائية والتوليد.
الإرث الفني والاجتماعي: الثنائي الخالد (وديع خوندة ومائدة نزهت)
ولم تتوقف إسهامات هذه العائلة العريقة عند السياسة والطب، بل وصلت إلى ذروة الإبداع الفني العراقي. إذ برز نجل شقيقه (المحامي نوري خوندة) الموسيقار والملحن القدير وديع نوري خوندة، الذي ارتبط بفنانة بغداد الأولى والرمز الغنائي الخالد مائدة نزهت، ليشكلا معاً ثنائياً فنياً شكل العصر الذهبي للموسيقى والغناء البغدادي الأصيل.
7. خاتمة وتوثيق: أثر سامي خوندة والانتماء العشائري الخالد
تظل سيرة المناضل البغدادي سامي عبد الله خوندة (1901 - 1991م) واحدة من أصفى وأجمل صور النضال الوطني العراقي عبر تاريخه الحديث. إن استعادة تفاصيل هذه السيرة لا تُمثّل احتفاءً بضابط محارب في حيفا وبعقوبة، أو ثائرٍ بوجه الاحتلال في الحيدرخانة وهنجام فحسب، بل هي إعادة إضاءة على أصل عشائري مجيد؛ إذ يُثبت التوثيق والتحقيق النسبي الذي أشار إليه ووضحه الباحث والنسّاب السيد كريم المهداوي انتماء بيت خوندة الأصيل إلى عشيرة المهدية (آل مهداوي) العبادية العربية.
لقد أثبتت هذه العائلة العريقة أن اللقب العثماني التشريفي (خوندة) لم يزدها إلا التزاماً بقضايا الوطن وأبنائه، فكانت علامة فارقة جمعت بين الأصالة العشائرية، والبصمة العسكرية، والريادة الثقافية والطبية والفنية. ليبقى اسم سامي خوندة وإرث آل مهداوي في بغداد وديالى حياً في الذاكرة الوطنية، وشاهداً على أن صرح العراق الحديث إنما بُني على تضحيات رجاله الأوفياء وأنسابهم الشريفة.
