زمن جميل وملامح أنيقة: صناعة الترف الروحي.
بقلم راسم العكيدي.
الزمن الجميل، مصطلح يستحضر في الأذهان حقبة ذهبية مليئة بالذوق الرفيع والترفيه الروحي. لم يكن مرور ذلك الزمن عادياً أو خالياً من الملامح، بل كان له طابع فريد وأنيق شكّل ملامحه مجموعة من الفنانين العظماء وصُنّاع الترف الذين أبدعوا في رسم صورة لا تُنسى لجيل استحق هذا الزمن بكل تفاصيله.

لم يمر الزمن الجميل مروراً عادياً نمطياً بلا ملامح بل كانت له ملامح انيقة وصناع مترفين. الارواح تجمعت فيها كل العوامل من بيئة وظروف واوضاع لتشكل زمن انيق من جيل استحق زمنه الاليف. فنانين عظماء هبط بهم الزمن بموجته الاخاذة، الآسرة البوهيمية بلا حدود ليكافئ ذلك الجيل ذو الذائقة المترفة، رغم عدم ترفه المادي لكنه ملك الترف الروحي.
الزمن الجميل: حينما اجتمعت الأرواح على الإبداع.
تميز الزمن الجميل بمزيج من العوامل البيئية والثقافية والاجتماعية التي ساهمت في تشكيل حقبة ذهبية استثنائية. رغم أن هذا الجيل لم يكن يتمتع بترف مادي كبير، إلا أنه امتلك نوعاً مختلفاً من الترف؛ وهو الترف الروحي الذي ارتقى بالأذواق إلى مستويات غير مسبوقة.
اكتمل المشهد لتتشكل ظاهرة لن تغادر ولن تزول لانها استنفذت الممكن ووصلت لغاية الخلود. فلقد وجد عمالقة الشعر واللحن والصوت والموسيقى انهم قد ارتقوا القمة بلهفات قلوب جيل وكفوفهم التي صفقت طويلاً فكانوا امام مسؤولية الحفاظ على القمة تارة وعلى الحفاظ على الترف الروحي لجمهورهم ذو الذائقة الاسطورية تارة اخرى.
فنانين عظماء وصناعة الخلود.
شهد الزمن الجميل بزوغ عمالقة في مجالات الشعر، اللحن، والموسيقى. استطاع هؤلاء الفنانون أن يصلوا إلى قلوب الجماهير وأن يحققوا الخلود بأعمالهم التي لا تزال تُستمع حتى اليوم. كانوا يدركون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، سواء بالحفاظ على القمة الفنية أو بتقديم أعمال تعكس الذوق الراقي لجمهورهم.
فكان يتملكهم قلق إيجابي مشروع في إختيار الكلام، ذو الصور الشعرية التي تسمو الى المعالي واللحن الخرافي الذي يتناغم مع الروح.
الذائقة المترفة للجمهور.
الجمهور في ذلك الزمن كان استثنائياً؛ لم يكن يتردد في تخصيص جزء من دخله لحضور حفلات الكبار في عالم الفن، حتى لو كان ذلك على حساب احتياجاته الأساسية. كان يفضل تغذية روحه بالاستماع إلى الألحان الخالدة والأصوات العذبة على الماديات العابرة.
كان الجمهور حريصاً على اقتناء بطاقات الدخول لحفلات الكبار في الفن وتوفير مبالغها على حساب اشياء ضرورية. كان كأنه معفى من تبعات التقصير على المتطلبات الاخرى الاساسية لانه سمى بروحه واختار ما هو اغنى للروح من الماديات.
الزمن: شريك في الرفق بالروح.
الزمن الجميل لم يكن مجرد حقبة زمنية، بل كان شريكاً ودوداً مع الروح. قدم للجماهير فرصة للارتقاء بعيداً عن التكلف المعيشي وأتاح لهم عالماً من الترف الروحي. كان يدفع بالحياة نحو السهولة والبساطة دون أن يفرض عليهم قيوداً تُثقل كاهلهم.
الان الزمن تساهل وبسط التكاليف ولم يقسو ومرر الحياة بسهولة وكانه يدفع الروح للرقي ويساعدها ولا يمنعها بالتكلف المعيشي ولا يفتح عليها مغالق تسرق المتعة والترف. فكان الزمن رؤوفاً لطيفاً ودوداً وضع غذاء الروح في درجة اعلى من غذاء الجسد.
لحظات من الكواليس: قلق العظماء وسعيهم للإبداع.
من أبرز ملامح الزمن الجميل، اللحظات التي عاشها الفنانون خلف الكواليس. يُحكى أن أم كلثوم، إحدى أيقونات ذلك العصر، كانت تعاني من قلق مشروع قبل صعودها على المسرح. في إحدى حفلاتها الشهيرة، غنت "ألف ليلة وليلة".
كانت ام كلثوم قلقة قبل ان تفتح الستارة وكان يصاحبها خلف الكواليس بليغ حمدي ملحن اغلب اغانيها. هو بمثابة ابنها الروحي وكان قد احس قلقها وارتجافها وتعرقها فاراد ان يفعل شئ يهدأ من روعها وهو يرى اول مرة ام كلثوم عن كثب قبل مواجهة جمهورها.
قال لها هل الغي المقدمة الموسيقية الطويلة واختصرها فرفضت واعاد المقترح فاجابته ماذا تقول دع المقدمة لكي اراقب جمهوري واتفقدهم واحداً واحد واختار من اغني له. غنت وابدعت ونجحت وزال قلقها المشروع الباحث عن الابداع وصناعة الفن للحياة وهكذا كان الجيل والعظماء الذين كان زمنهم يليق بهم وهم جديرون به.
إرث العظماء وزمن يليق بهم.
تميز جيل الزمن الجميل بشخصياته العظيمة التي كانت على مستوى هذا الزمن. امتلكوا من القلق الإيجابي ما يدفعهم لتقديم الأفضل دائماً، وارتقوا بمستوى الفن إلى ما هو أبعد من مجرد أداء. كانوا يدركون أن الإبداع مسؤولية، وأن أعمالهم ستكون شاهدة على هذا الزمن الفريد.
خاتمة: رسالة من الماضي إلى الحاضر؟ الزمن الجميل ليس مجرد ذكريات، بل هو دروس في أهمية تغذية الروح، التمسك بالقيم الفنية، والارتقاء بالذوق العام. هو حقبة أظهرت أن الإبداع يمكن أن يخلّد الأرواح، وأن الفن هو غذاء لا يقل أهمية عن حاجات الجسد. هل يمكننا اليوم استعادة تلك الروح الأنيقة لنخلق زمننا الجميل؟