النسيان ليس نعمة: رؤية نقدية للذاكرة والتاريخ
المقدمة
لطالما كان النسيان قضية جدلية بين من يراه نعمة تساعد على تجاوز الصعاب، ومن يراه نقمة تؤدي إلى تكرار الأخطاء. بين التذكر المفرط الذي يثقل النفس، والنسيان العشوائي الذي يؤدي إلى الفوضى، يقف الإنسان حائرًا في كيفية التعامل مع الماضي والحاضر.
![]() |
النسيان ليس نعمة: رؤية نقدية للذاكرة والتاريخ |
في هذا المقال، نسلط الضوء على أثر النسيان في القرارات المصيرية، وكيف يُستغل سياسيًا واجتماعيًا، مع التركيز على واقع المجتمع العراقي كنموذج يعاني من "ذاكرة السمك".
النسيان بين النعمة والنقمة
يُقال إن النسيان يُساعد الإنسان على المضي قدمًا بعد الأزمات، لكنه يتحول إلى نقمة عندما يُستخدم لتجاهل الأخطاء وعدم التعلم منها. التذكر هو سجل الأحداث، وهو التاريخ الذي يُحفز على الفعل الإنساني، فالحياة لا تستقيم دون استحضار العِبر والدروس من الماضي. لكن، إذا تحول النسيان إلى أسلوب حياة، فإن الأخطاء تتكرر، والتحديات تتفاقم دون حلول جذرية.
إن ذاكرة الإنسان يجب أن تكون انتقائية، بحيث تستوعب ما هو ضروري لتقييم الواقع، وتتخلص مما يعيق التقدم. أما إذا سيطر النسيان العشوائي، فإنه يقود إلى التناقضات والازدواجية، حيث يتذكر الإنسان ما يناسبه فقط، وينسى ما يفرض عليه اتخاذ موقف حاسم.
متلازمة الذاكرة المفرطة والخوف من التغيير
الذاكرة المفرطة قد تكون عبئًا على صاحبها، إذ تجعله أسير الماضي، مترددًا في اتخاذ القرارات، خائفًا من التقدم. عندما يتذكر الإنسان فقط الأوقات السيئة، فإنه يرى العالم بعين التشاؤم، مما يعيق أي محاولة لتغيير الواقع. هذا النمط يؤدي إلى الجمود والقلق، حيث تصبح كل تجربة جديدة محكومة بمخاوف التجارب السابقة.
لكن، على الجانب الآخر، فإن النسيان المُبالغ فيه يقود إلى غياب الوعي التاريخي، مما يُسهل على الآخرين استغلال الأفراد والمجتمعات عبر تكرار الأخطاء ذاتها. فلا يمكن لأي أمة أن تبني مستقبلًا دون أن تتعلم من ماضيها.
ذاكرة السمك: كيف يُستغل النسيان؟
يُقال إن السمك ينسى ما حدث له بعد خمس ثوانٍ فقط، وهذا التشبيه ينطبق على بعض المجتمعات التي تعيش في دائرة مفرغة من الأزمات والنسيان. في العراق، على سبيل المثال، يعاني الشعب من تكرار نفس المشكلات دون حلول حقيقية، وكأن النسيان أصبح جزءًا من الثقافة العامة.
على سبيل المثال، أزمة الكهرباء تُنسى بمجرد اعتدال الطقس، والاحتجاجات تهدأ بمجرد مرور الأزمة، والوعود الانتخابية تُبتلع كل أربع سنوات دون مراجعة. إن هذه الحالة ليست مجرد سلوك فردي، بل أصبحت استراتيجية تُستخدم للتحكم في الشعوب، حيث تُفتعل أزمات جانبية لتغطية كوارث أكبر، حتى تُمسح ذاكرة الناس تدريجيًا.
النسيان والتلاعب السياسي
الأنظمة السياسية تدرك تمامًا كيف تستغل ذاكرة الشعوب. كل أزمة جديدة تأتي معها أزمة أخرى تُغطي عليها، فتُمرر القوانين، وتُبرم الاتفاقيات، وتُرتكب التجاوزات، بينما الشعب مشغول بقضية جانبية. عندما تهدأ الأوضاع، تُعاد الدورة نفسها، وكأن شيئًا لم يكن.
في فترات الانتخابات، يُعاد تسويق نفس الشخصيات بوعود جديدة، رغم أن التاريخ مليء بإخفاقاتهم. لكن الشعب، بحكم ذاكرته الانتقائية، ينسى، ويعود لانتخاب نفس الأسماء، وكأنه لم يختبرهم من قبل.
الخاتمة: هل يمكن كسر حلقة النسيان؟
الحل لا يكمن في تذكر كل شيء، ولا في نسيان كل شيء، بل في خلق ذاكرة واعية تميز بين ما يجب استرجاعه وما يمكن تجاوزه. من الضروري تعزيز الثقافة التاريخية، والتوثيق المستمر للأحداث، وإيجاد آليات تضمن عدم تكرار الأخطاء.
بدون ذاكرة حقيقية، سيظل المجتمع يدور في نفس الدائرة، يتأرجح بين الاحتجاج والصمت، وبين الغضب والاستسلام. وإذا لم يتعلم الشعب من ماضيه، فإنه سيظل يبتلع الطُعم نفسه، ويقع في الفخ ذاته، مرة بعد مرة.