عزيز الخياط: نغم المقام المنسوج بإبرة الحنين.. وسردية النكران في تاريخ الموسيقى العراقية
بقلم: مالك المهداوي.
في العام 1956، وفي أحضان مدينة خانقين التي تعانق أطراف الحضارات وتتنفس الإبداع، وُلِد فتى أُطلق عليه اسم محمد عزيز. لكن القدر، الذي ينسج أقدار المبدعين بخيوط متناقضة، شاء أن يتنازل الاسم المركب أمام اسم الحرفة، ليولد للساحة الفنية اسم "عزيز الخياط".
|
| عزيز الخياط: نغم المقام المنسوج بإبرة الحنين.. وسردية النكران في تاريخ الموسيقى العراقية. |
لقد كانت سيرة هذا الفنان الأصيل رحلة قاسية بقدر ما كانت حافلة بالعطاء؛ حيث تحولت أصابع الخياط الماهرة من قياس الأقمشة وتفصيلها إلى جسر ذهبي يمر منه المقام العراقي العتيق بنغماته الشجية إلى وجدان السامعين. كانت ماكينة الخياطة صكّ بقائه اليومي الذي يضمن له قوت عياله، بينما كان صوته الرخيم وموهبته بمثابة النعمة الإلهية الكبرى التي لا تُباع ولا تُشترى.
ورغم شهرته التي تجاوزت حدود بغداد والولايات الفنية، وسيرته التي باتت جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الموسيقى العراقية، إلا أنه لم يجنِ من هذا المجد الفني الشاهق سوى فخامة الاسم وراحة الضمير. 🧵🎵
من إرث الترتيل القرآني إلى درز القماش في شهربان 🕌✨
نشأ عزيز في بيئة ريفية واجتماعية تنضح باللغات والألحان، فاكتسب طلاقة لافتة في الحديث والغناء باللغتين الكردية والتركمانية، وكأن حنجرته كُرّست منذ الطفولة لاستقبال وتوليد النغم بمختلف ألوانه. لم تكن موهبته الصوتية مجرد صدفة عابرة؛ بل كانت إرثاً عائلياً عميق الجذور؛ إذ كانت العائلة تتنفس الترتيل والإنشاد، وكان كثيرٌ من أبنائها مؤذنون وقُرّاء بارعين للقرآن الكريم، ما زرع في وجدانه ملكة الضبط الصوتي، وحسن الأداء والجمال النغمي الأصيل الذي يرتكز عليه المقام العراقي العتيق.
شارك الفتى في احتفالات المدرسة وصدح صوته في إحياء المناقب النبوية الشريفة قبل أن تُجبره ظروف الحياة على ترك مقاعد الدراسة، مُفضلاً الاعتماد على مهنة اليد. اتجه عزيز لتعلم فن الخياطة، مهاجراً إلى المقدادية (شهربان) ليتعلم أسرار المهنة وقص القماش تحت إشراف الأستاذين كمال ياسين الدلوي وزميله فائق الخياط.
لكن بغداد كانت هي المنتهى والملاذ الروحي لرواد الفن ومحبي تاريخ الموسيقى العراقية؛ ففي عاصمتها، افتتح محله الصغير بالقرب من ساحة الرصافي الشهيرة. هناك، كان جهاز المسجل القديم هو الأنيس الصامت في خلوته، وكان صوت عملاق المقام يوسف عمر حاضراً في كل درزة وخياطة، وكأنه نبض المحل وسر وجوده الحقيقي. حفظ عزيز المقامات والبستات البغدادية، وكان يصدح بها بين قصاصات القماش، ولم يكتفِ بالسمع، بل كان يتردد على المتحف البغدادي لحضور أمسيات المقام، مستمداً من هذا الفن الرفيع جذوره الثابتة. وكان لأخيه الأكبر الدور الأبوي البارز في تعميق محبته لهذا الإرث وصقل تأثره بالمدرسة اليوسفية الراقية. 📻✂️
جبهة العمارة.. وأول اختبار حقيقي أمام الجمهور ⚔️🎤
حين ناداه الواجب الوطني، التحق محمد عزيز بالخدمة العسكرية. كانت خدمته في جبهات القتال بمحافظة العمارة بمثابة قفزة مباغتة وصادمة من محله الدافئ الساكن إلى قسوة الميدان وضجيج المعارك. وفي هذه المساحة الفاصلة بين الحياة والموت، كانت شعبة التوجيه السياسي تحاول بث روح الأمل والصمود عبر إقامة الحفلات الترفيهية والتراثية للمنتسبين.
وهنا تجلت المصادفة القدرية التي جمعته في نفس الوحدة العسكرية بالملحن العراقي الكبير كاظم فندي. كانت هذه المهرجانات والجلسات هي ساحة الاختبار الحقيقية الأولى لعزيز الخياط؛ حيث شارك بغنائه الآسر وطبقات صوته الفريدة، فلقي أداؤه استحسان وإعجاب الجميع، وعلى رأسهم آمر الوحدة المقدم أحمد الخوجة (من أهالي الأعظمية) الذي تحول سريعاً إلى مشجع ودام له في مسيرته. كانت هذه المرحلة، بكل ما فيها من رهبة الحرب وخوف الميدان، هي أول مواجهة حقيقية له مع الجمهور الواسع خارج أسوار محله الصغير، لتثبت أن صوته قادر على حمل أمانة فنية تمثل المقام العراقي العتيق بجدارة.
بوابة التلفزيون.. وصدمة الرفض البناء التي صنعت الهوية 📺 البدء
شهدت بداية ثمانينيات القرن الماضي ظهور برنامج "المقام العراقي" الشهير عبر شاشة التلفزيون، والذي كان بمثابة أكاديمية فنية وتاريخية على الهواء مباشرة، قدمها الأستاذ الباحث هاشم الرجب بمشاركة الصحفي المبدع يحيى إدريس، واللذين يعدان من ركائز تدوين تاريخ الموسيقى العراقية. التقى عزيز الخياط بالصحفي يحيى إدريس، فمنحه الأخير ورقة لترتيب موعد رسمي لتسجيل واختبار الصوت في البرنامج.
حصل عزيز على إجازة خاصة من وحدته في العمارة وخاض المقابلة في مبنى تلفزيون العراق. هناك، في استعلامات الإذاعة والتلفزيون، وقع التباس طريف في الاسم مع شخص آخر يدعى "محمد عزيز" جاء لاختبار المربعات البغدادية، ليؤكد فناننا أن حرفته كخياط هي التي ستمنحه هويته الفنية المستقلة.
ثم جاءت اللحظة الحازمة أمام الخبير الأستاذ هاشم الرجب، الذي طلب منه قراءة مقام محدد. قرأه عزيز متأثراً ومحاكياً لأسلوب الراحل يوسف عمر، فجاء الرفض المدوّي والصارم من الرجب: "لا تُقلّد أحداً!".
💡 منعطف فني: كانت هذه الكلمات الصارمة والذهبية هي اللحظة الحقيقية التي وُلد فيها الفنان عزيز الخياط بشخصيته المستقلة؛ حيث أعاد قراءة المقام مرة أخرى، ولكن هذه المرة بصوته هو، وبإحساسه وفلسفته الخاصة، فكان القبول فورياً ومبهراً في بيت المقام العراقي.
لم يتوقف الأمر عند حدود القبول؛ بل صدر كتاب رسمي عاجل لوحدة عزيز العسكرية يقضي بنقله فوراً إلى وحدات بغداد ليكون قريباً من الحراك الفني. هكذا، تم تعيينه في مديرية بيت المقام العراقي، وأُدخل إلى معهد الدراسات النغمية ليتعلم عزف العود والمقامات الموسيقية ويصقل موهبته أكاديمياً وعلمياً. تحول الجندي والمؤدي الهاوي إلى فنان مُعتمَد، يداوم على الأمسيات، ليصبح من المؤدّين الحاملين لشعلة التراث التليد.
في زمن الحصار الجائر.. والوفاء العنيد للمقام البغدادي 🌲💔
حتى في أحلك الأوقات والظروف الاقتصادية، وخلال سنوات الحصار القاسي التي خنقت العراق وأهله، ظل عزيز الخياط سادناً وفياً وحارساً لـالمقام العراقي العتيق. ورغم انتقاله الصعب للعيش في قضاء شهربان (المقدادية)، لم ينقطع يوماً عن إحياء الأمسيات الأسبوعية التي كانت تقام ظهر كل يوم جمعة على مسرح المتحف البغدادي الشهير.
لقد كان هذا الالتزام بمثابة عناد ذاتي بوجه القبح وضيق العيش، يرافقه في هذا الدرب الشاعر الكبير جاسم درويش، وزميله سلام الخزرجي، والفنان كريم خسرو الذي قُبل أيضاً كقارئ مقام ممتاز. كانت تلك الأمسيات فعلاً حقيقياً من أفعال المقاومة الثقافية، وجهوداً وطنية مخلصة تكللت في عام 1993 بفتح مركز البيت الثقافي العراقي في مدينة بعقوبة، ليتركوا بصمة لا تُمحى في تاريخ الموسيقى العراقية المعاصرة.
خاتمة السيرة.. وحيف النكران وجزاء سنمار 😔🍂
لكن قسوة الظروف وتقلبات السياسة فاقت قدرة الفنان على الصبر والتحمل؛ فبعد عام 2003، وحين عصفت الفوضى الأمنية والسياسية بالوطن الجريح، تأثرت الحركة الثقافية بعمق وأصاب المؤسسات ركود مدمر. ومع استحالة وصعوبة الوصول الآمن من ديالى إلى بغداد، اضطر عزيز الخياط مجبراً في عام 2007 إلى الانتقال للعيش في مدينة السليمانية.
هذا الانتقال، الذي فُرض قسراً بظروف التهجير والوضع الأمني، تحول للأسف إلى مأساة شخصية ووظيفية؛ حيث أصدر المدير العام لبيت المقام آنذاك قراراً مجحفاً بفصل الفنان عزيز الخياط وقطع راتبه الشهري بالكامل! كان هذا القرار يُمثل حيفاً عظيماً ونكراناً علنياً لمسيرة فنان كرس صوته وشبابه لحفظ هذا الإرث، وذهبت كل جهوده وريادته الطويلة هباءً منثوراً في أروقة البيروقراطية العمياء.
حاول عزيز مراراً وتكراراً نيل حقه الطبيعي في التقاعد يعينه على كبر سنه وشيخوخته، لكن كل محاولاته باءت بالفشل، ليُختتم مشواره الإبداعي بهذا التجاهل المؤسف الذي يدمي القلوب. لقد كان مصيره الحزين شاهداً حياً على أن نكران الجميل هو الثمن الباهظ الذي تدفعه المواهب العراقية والطاقات الوطنية في بلداننا.
من منبر مجلة شهربان الإلكترونية، نرفع تحية إجلال واعتزاز من القلب إلى الصديق والأخ الفاضل عزيز الخياط؛ فنان المقام الأصيل الذي أعطى بلا حدود، وقاوم عتمة النسيان بضوء النغم، وواجه جحود ونكران المؤسسات بالصمت الجميل والوقار البغدادي المعهود. 🌸🙏
💡 توصية للقراء الكرام:إن الحفاظ على سير هؤلاء المبدعين الكبار هو واجب أخلاقي وتاريخي يقع على عاتقنا جميعاً. شاركونا بآرائكم وتعليقاتكم حول المقال: هل استمعتم يوماً لقراءات الفنان عزيز الخياط؟ وما هي المقامات الأقرب إلى قلوبكم عند استماعكم إلى روائع التراث البغدادي العتيق؟
