🎻 ناسكُ الكمان في محراب "شهربان": الفنان الراحل هشام صباح البياتي
بقلم: مالك المهداوي.
حين تهزمُ الأرضُ أضواءَ الشهرة.. 🌴 في تاريخ المدن، هناك رجال يبنون الجسور، وآخرون يشيدون المباني، وهناك قلة نادرة يبنون "الذاكرة". وفي مدينة المقدادية (شهربان)، يبرز اسم محفور في جذوع النخيل وعلى ضفاف الجداول؛ إنه الفنان والمربي الراحل هشام صباح البياتي (1940 - 2016)، عازف الكمان العراقي الذي اختار أن يكون صدىً لمدينته بدلاً من أن يكون رقماً عابراً في فرق العاصمة.
👶 النشأة: ابن الـ 1940 وزمن الفن العراقي الجميل
ولد الموسيقار هشام صباح في عام 1940، في قلب بساتين شهربان التي كانت تضج بالحياة والجمال. تفتح وعيه الصغير على صوت الطبيعة الفطرية؛ خرير المياه في نهر الشاخة والسواقي وحفيف الشجر، فكانت هذه الموسيقى الربانية هي معلّمه الأول.
![]() |
| ناسكُ الكمان في محراب "شهربان": الفنان الراحل هشام صباح البياتي. |
حمل شغفه المبكر وقاده صوب "معهد الفنون الجميلة" في بغداد، ذلك الصرح الذي كان بمثابة "أكاديمية الأحلام" لكل مبدع عراقي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. هناك، صقل موهبته أكاديمياً، وتميز بين أقرانه بتمكنه المذهل من آلة الكمان، وبإحساسه المرهف الذي كان يسبق تقنياته وعزفه.
🚫 اللحظة الفاصلة: "لا" للفرقة السيمفونية.. "نعم" لجذور المقدادية
لعل المحطة الأبرز التي خلدت اسم "هشام صباح البياتي" ليست مقطوعة موسيقية ألفها، بل "موقف تاريخي" اتخذه بكبرياء وفاءً لأهله.
في عنفوان شبابه وعطائه، وعندما كانت الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية في طور التأسيس والتوهج، تلقى ابن شهربان دعوة رسمية، وعروضاً مغرية، ليكون ضمن صفوفها كعازف كمان أساسي. كان هذا العرض حلم العمر لأي موسيقي؛ فالانضمام للسيمفونية يعني:
🌟 الشهرة والأضواء الساطعة.
✈️ السفر والتمثيل الدولي للعراق.
-
🏛️ الخلود في سجلات النخبة الفنية في بغداد.
لكن "ناسك الكمان" فاجأ الجميع بقراره التاريخي.. رفض العرض! ورفض معه فكرة مغادرة "شهربان". لم يكن رفضه زاهداً في الفن، بل كان حباً مفرطاً وجنونياً في الأرض. أدرك بفطرته النقية أن "نبتة شهربان لا تعيش ولا تزهر إلا في تربتها". خشي أن تسرقه أضواء العاصمة البراقة من بساطة أهله، ومن طلابه الذين كانوا بأمس الحاجة لمن يلون حياتهم بالفن والموسيقى.
👨🏫 المعلم الإنسان: زراعة الجمال في نفوس أطفال ديالى
عاد هشام صباح إلى المقدادية، ليس كعازف يطلب التصفيق والمديح، بل كـ "معلم تربية فنية" يحمل رسالة مقدسة. في مدارس ديالى والمقدادية، لم يكن يعلم التلاميذ كيف يمسكون الفرشاة أو كيف يستمعون للموسيقى فحسب، بل كان يزرع في أرواحهم "تذوق الجمال". كان يؤمن عميقاً أن الفن يهذب النفوس ويحميها من التطرف والقسوة، وأن العزف لصف دراسي مليء بالأطفال البسطاء يوازي -بل يفوق- الوقوف على أعظم مسارح الأوبرا العالمية.
🎵 عازف المدينة وأوركسترا الحنين شهربان
عاش هشام حياته وفياً لقراره الشجاع. كان كمانه رفيق أمسيات المدينة، وشاهداً حياً على أفراحها وأتراحها.
عزف للطبيعة والنهر الباكي.
-
عزف للأصدقاء في الجلسات الخاصة التي كانت تتحول بفضل وتره الدافئ إلى صالونات ثقافية راقية.
أصبح لقبه غير المعلن في محافظة ديالى "عازف شهربان الأول"، والمايسترو الحقيقي الذي يقود أوركسترا الحنين في قلوب كل من عرفه.
💔 رحيل الجسد وبقاء اللحن الخالد (2016)
في عام 2016، توقف قلب الفنان الكبير عن الخفقان، وترجل الفارس عن صهوة الفن، تاركاً خلفه إرثاً من النبل والوفاء قلّ نظيره في زمننا هذا. رحل هشام صباح البياتي بجسده، لكن لحنه الشجي ما زال يتردد بين بساتين النخيل.
لقد ترك هذا المربي الفاضل درساً بليغاً للأجيال القادمة: أن الشهرة ليست هي الغاية، وأن الفنان الحقيقي هو الذي يزهر حيث زُرع، ويظل وفياً لجذوره حتى الرمق الأخير.
سيظل تاريخ المقدادية يذكر بفخر، أن فناناً قديراً كان بإمكانه أن يكون نجماً في سماء الفن العربي والعالمي، لكنه اختار بكل حب أن يكون "قنديلاً" يضيء ليل مدينته، ويعزف لحن الوفاء لبساتينها التي أحب. 🕊️✨
📸 دعوة ومبادرة إلكترونية: لنحمي أرشيف "عازف شهربان"
💡 تنويه رجاءً من إدارة مجلة شهربان الإلكترونية: نظراً لشح المواد الأرشيفية البصرية الخاصة بحفلات وجلسات الفنان الراحل هشام صباح البياتي في المدينة، نوجه دعوة صادقة ومفتوحة لكل أهالي المقدادية الكرام، والأصدقاء، وطلاب الراحل: من يمتلك صوراً، مقاطع تسجيلية، أو ذكريات موثقة لأي محفل أو جلسة أحياها فقيدنا الغالي، يرجى تزويدنا بها عبر بريد المجلة أو في التعليقات، لنساهم معاً في إحياء وحفظ ذاكرة المدينة الفنية. 🙏❤️
🪵 خاتمة: ليبقى اللحن حياً في القلوب
في ختام هذه السطور، ندرك أن الراحل هشام صباح البياتي لم يكن مجرد عازف مرّ عابراً في حياة مدينتنا، بل كان حارسًا لأصالتها، ومترجمًا لأحزان بساتينها وأفراح مجالسها بنغمات كمانه الشجي. إن قصة هذا المبدع الإنسان تذكرنا بأن القيمة الحقيقية للمبدع لا تُقاس ببريق الأضواء البعيدة، بل بمدى عمق جذوره في الأرض التي أنبتته. لقد رحل "ناسك الكمان" بجسده، لكن صدى أوتاره سيظل يتردد مع كل نسمة فجر تمر فوق نهر الشاخة، وتهمس بها سعفات النخيل في المقدادية؛ ليبقى اسمه رمزاً حياً للوفاء والنبل الإنساني الذي لا يمحوه الزمن.
💡 توصية لقرّاء "مجلة شهربان الإلكترونية"
🌟 دعوة للقراءة والتأمل ومشاركة الأثر: إلى كل متابعينا الأعزاء، إن الحفاظ على الذاكرة الثقافية لمدينة المقدادية (شهربان) هو مسؤولية جماعية تتوارثها الأجيال. لذا، نوصيكم ونرجو منكم:
تداول هذه السيرة: شاركوا قصة هذا الفنان المربي مع أبنائكم والجيل الجديد، ليعرفوا أن مدينتهم ولّادة بالمبدعين وأصحاب المواقف النبيلة.
البحث في الأرشيف المنزلي: نكرر دعوتنا لكم بتفتيش دفاتركم القديمة وصوركم العائلية؛ فربما تحتفظون بلقطة نادرة أو تسجيل عابر يوثق جلسة من جلسات الراحل، وتزويد المجلة بها لنشرها.
أحيوا ذكراه بكلمة: اتركوا لنا في التعليقات أدناه شهاداتكم أو مواقف شخصية جمعتكم بالأستاذ هشام، فكل كلمة منكم هي قطرة وفاء في نهر ذاكرتنا المشتركة. 🙏❤️
