recent
أخبار ساخنة

​د. عمار البرزنجي: رحلة طبيب عيون في جراحة الليزك والمياه البيضاء

Site Administration
الصفحة الرئيسية

​د. عمار البرزنجي: رحلة طبيب عيون في جراحة الليزك والمياه البيضاء

بقلم: مالك المهداوي

الموقع: مجلة شهربان الإلكترونية

القسم: سير وتراجم / طب وصحة

​المقدمة: بين صفارات القطار وسحر الضوء

​بين الضوء والظلمة خيطٌ رفيع لا يبصره إلا من نذر حياته لخدمة عيون البشر؛ وفي هذا العالم الدقيق من جراحة العيون، برز اسم الدكتور عمار أحمد محمد البرزنجي كعلامة فارقة ورحلة إنسانية واستثنائية تجسد عصامية ابن البلد الذي يقهر الظروف ليصنع من العتمة ضياءً.

​د. عمار البرزنجي: رحلة طبيب عيون في جراحة الليزك والمياه البيضاء.

​إن التحدث عن قامة طبية وإنسانية كالدكتور عمار لا يقتصر على سرد الألقاب العلمية أو إبراز المهارات الجراحية في جراحة الليزك وعلاج المياه البيضاء (Cataract Surgery)، بل هو غوصٌ في أصول وقيم الجذور الأولى، وتتبعٌ لمسيرة رجلٍ صقلته المحن وعلمته قسوة الأيام كيف يكون بلسمًا لجراح الآخرين وسفيرًا للأمل في كل مكان يحط فيه رحاله(مقال اخر عن ابناء مدينتنا).

​أولاً: الجذور الأولى في بيت "أحمد الدرويش" بمحطة شهربان (1961)

​في نهاية محطة سكك قطار المقدادية (شهربان)، حيث تتوقف السكك وتبدأ الذاكرة والذكريات الجميلة، كانت هناك تفاصيل حية تروي تاريخًا عريقًا لأرضٍ لم تتوقف يوماً عن إنجاب المبدعين. عند تلك الزاوية من المحطة، تقف ماكنة الكهرباء القديمة وأحواض الماء، ويشمخ خزان الماء العالي الذي حُفر عليه تاريخ صنعه عام 1914، كشاهد عدلٍ على قدم هذه المحطة وعراقة أزقتها.

​في نهاية هذه المحطة، كان يقبع البيت الأخير؛ بيت "أحمد الدرويش" (والد عمار)، محاطًا بحديقة غناء وأشجار تورق بالدفء والأمل. وفي هذا البيت تحديدًا، وعلى وقع النشأة والطفولة الهانئة، ولد الطفل عمار أحمد محمد البرزنجي عام 1961.

​نشأ عمار بين صفارات القطارات التي تعبر المحطة معلنة رحيل العابرين وبقاء الأرض. لم تكن نشأته عند حافة السكة مجرد تفصيل جغرافي عابر، بل كانت صياغة مبكرة لضميره ووجدانه؛ فأن تكبر في هذا المكان يعني أن تتعلم معنى البقاء والصبر، وأن تتنفس عراقة التاريخ المكتوب على الحديد والشجر، لتختزن في روحك تلك الشاعرية التي تجعل الحنين إلى الديار أول المبادئ، كما قال الشاعر:

نَقِّلْ فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِنَ الهَوى ... ما الحُبُّ إِلا لِلحَبيبِ الأَوَّلِ

كَم مَنزِلٍ في الأَرضِ يَألَفُهُ الفَتى ... وَحَنينُهُ أَبَداً لِأَوَّلِ مَنزِلِ


​ثانياً: الرحلة الدراسية من المحطة إلى الكندي والمقدادية

​بدأ عمار مسيرته التعليمية في مدرسة المحطة الثانية، ولم يكن مجرد تلميذ عادي يطوي صفوف الدراسة؛ بل كان علامة فارقة نبهت معلميه وأقرانه منذ البدء إلى أنه يخبئ بين جوانحه ذكاءً وقادًا وعزيمة غير معتادة، حيث كان يفضل الفهم العميق على الحفظ المجرد.

​انتقل بعدها إلى ثانوية الكندي ليواصل تألقه الأكاديمي وانضباطه الشديد، قبل أن يحط رحاله في إعدادية المقدادية ليخوض فيها غمار المرحلة المصيرية. في كل هذه المحطات العلمية، بزغ نجم عمار بين أقرانه بتفوقه ونباهته وحصوله المستمر على أعلى الدرجات، دون أن يعزله ذلك التميز عن حيوية الصبا وشغف الشباب في أزقة شهربان.

​ثالثاً: "أشبال الجزيرة" والرباعي الذهبي

​في زحمة الشغف والشباب الفياض بالحيوية خلال فترة السبعينيات، تشكلت في المنطقة واحدة من أجمل صور الصداقة والأخوة. تأسس فريق "أشبال الجزيرة" بجهدٍ ورعاية كريمة من والدي، ليجمع شمل عمار برفاق عمره وحارته: (مازن، مثنى، وكريم مسير).

​عاش هذا الرباعي أجمل أيام الفتوة بين ملاعب الكرة والركض في الميادين المفتوحة. كانت رابطتهم أقوى من مجرد زمالة ملعب؛ كانت أخوة حقيقية تظللها روح الشفافية والود. وكأي رفاق في مقتبل العمر، كانت تتخلل أيامهم بعض الخلافات العابرة والخصومات الصبيانية البسيطة، لكن سرعان ما كانت تذوب تلك الفوارق ليعودوا أكثر تماسكًا وتصالحًا وصفاءً.

​استطاع عمار ببراعة استثنائية أن يوازن بين ملاعب الكرة وشغفه الرياضي وبين انتظامه الشديد في الدراسة، فكان نموذجًا للشاب المتزن الذي يجمع بين حيوية البدن وتفوق العقل.

​رابعاً: البكالوريا والقبول في الطب (1979).. والمحنة الجائرة

​تُوج هذا الجهد الجماعي والاشتياق للمستقبل في امتحانات السادس الاعدادي (البكالوريا) بإعدادية المقدادية؛ حيث حقق الرباعي المتميز نتاجات باهرة ودرجات عالية أهلتهم جميعاً لدخول أعرق الكليات:

  • عمار أحمد البرزنجي: قُبل في كلية طب جامعة الموصل عام 1979 تحقيقًا لحلم الطفولة.
  • مازن: قُبل في كلية الهندسة (قسم الهندسة المدنية).
  • مثنى: قُبل في كلية الزراعة ليواصل طريق العلم.
  • كريم مسير: قُبل في كلية الصيدلة بدولة پاکستان على نفقة الدولة.

​كانت الفرحة عارمة، والبيوت في محطة المقدادية تستعد للاحتفال بأبنائها. غير أن هذه الفرحة لم تستمر طويلاً؛ إذ سرعان ما هبت عاصفة الظروف السياسية القاهرة لتلوي أعناق الأمنيات.

​في حملة تعسفية واسعة استهدفت الشباب المنتمين أو المتهمين بالانتماء للحزب الإسلامي، انتُزع الشاب عمار من مقاعد دراسته في كلية طب الموصل، وصدر بحقه حكمٌ جائر بالسجن لمدة سبع سنوات. تحولت زغاريد النجاح إلى غصة حارقة في قلوب أهله وأصدقائه، واكتست أزقة المحطة بالحزن على فتى كان يُنتظر منه أن يكون طبيب القرية وضوءها.

​خامساً: سنوات الاعتقال، العفو العام والخدمة العسكرية (1985)

​أمضى عمار سنوات السجن بين جدران القسوة، لكن روح الصمود لم تفارقه. كان يحمل في قلبه ثبات ابن المحطة ونقاء معدنه، محافظًا على أمله في العودة إلى الضوء.

​وفي عام 1985، صدر عفو عام شمل الدكتور عمار ورفاقه، ليُفرج عنه ويُعاد الاعتبار لمسيرته حيث عُدّوا سُجناء سياسيين شرفاء دفعوا ثمن مبادئهم في زهرة شبابهم.

​خرج عمار مرفوع الرأس، لكن مسيرة العلم كانت لا تزال تنتظر خوض التزام آخر؛ إذ كان عليه أداء الخدمة العسكرية الإلزامية التي فرضتها ظروف تلك المرحلة. خاض سنوات الخدمة بكل انضباط وصبر، صاقلاً شخصيته بعزمٍ إضافي، ومحافظًا على حلمه القديم في العودة إلى مقاعد الطب مهما طال النوى.

​سادساً: العودة والتخرج من كلية الطب (1999) – ملحمة العشرين عاماً

​خرج الدكتور عمار من تلك التجربة المريرة بقناعة فكرية قاطعة، حيث نفض عن كاهله فكرة الأحزاب والانتماءات الحزبية والسياسية تماماً، متفرغاً بالكامل لرسالته الإنسانية الأولى: الإنسان والعلم.

وفي عام 1991، فُتحت له أبواب العودة الأكاديمية من جديد ليلتحق بـ جامعة الأنبار – كلية الطب. غير أن هذه العودة كانت تحمل تحديًا نفسيًا واجتماعيًا فريدًا؛ فقد وجد نفسه يجلس على المقاعد ذاتها مع زملاء يصغرونه بعشرة أو أحد عشر عاماً كاملة!

​كان التأقلم في البداية خياراً شاقاً، غير أن طبيعة الدكتور عمار وهيبته الناعمة البسيطة، وملامحه الشابة، جعلت الفارق العمري يذوب سريعاً بينه وبين أقرانه. وبحكمته التي صقلتها تجارب السنين، احتوى الجميع بطفولة قلب ودفء روح، وسار معهم بجدٍّ وإخلاص.

​أثبت الدكتور عمار أن الشغف الحقيقي لا يشيخ؛ فواصل دراسته حتى تخرج وحصل على شهادة الطب عام 1999. كانت تلك لحظة تاريخية فارقة اختصرت رحلة صبر ومثابرة؛ عشرون عاماً كاملة (منذ قبوله الأول عام 1979 حتى تخرجه عام 1999) كانت كفيلة بأن تحطم إرادة الجبال، لكنها لم تزد ابن بيت "أحمد الدرويش" إلا إصراراً وتفوقاً.

​سابعاً: التدرج الطبي ونيل الدبلوم العالي في طب العيون

​لم يتوقف طموح ابن المقدادية عند نيل شهادة الطب العامة، بل واصل تدرجه الطبي المقيم والسريري بشغف كبير نحو تخصص طب وجراحة العيون (Ophthalmology & Eye Surgery). تنافس باقتدار واجتهاد حتى نال شهادة الدبلوم العالي في طب وجراحة العيون، ليتوج مسيرته العلمية بتخصص دقيق ومتمكن.

​انتقل الدكتور عمار للعمل في مستشفى ابن الهيثم التعليمي لطب العيون في بغداد؛ وهو الصرح الطبي العريق والأبرز على مستوى العراق. وفي أروقة هذا المستشفى المزدحم، أثبت جدارته العالية كـ طبيب عيون متمرس، وتخصص في أحدث التقنيات الجراحية من جراحة الليزك، وتصحيح البصر بالليزر، وعلاج المياه البيضاء (إزالة الماء الأبيض بالفاكو)، مجمعاً في عمله بين الدقة الجراحية المتناهية واللمسة الإنسانية الدافئة.

​ثامناً: الانعطافة الإنسانية – الانتقال إلى مدينة خانقين

​رغم التميز والنجاح الذي حققه في بغداد، قرر الانتقال للعمل في مستشفى خانقين العام حباً في خدمة الأماكن الأكثر احتياجاً؛ حيث كانت خانقين تعاني من نقص حاد في أخصائيي العيون وعيادات طب وجراحة العيون المتخصصة.

​قدم الدكتور عمار في خانقين خدمات طبية وجراحية جليلة، أجرى خلالها مئات العمليات ودواى آلاف العيون، وغدا اسمه مقترنًا بالثقة والمحبة لدى أهالي المدينة والقرى المجاورة.

​تاسعاً: التقاعد والتفرغ للعيادة المتكاملة

​بعد مسيرة حافلة بالعطاء في القطاع الحكومي والمستشفيات العامة، أحال الدكتور عمار البرزنجي نفسه على التقاعد، ليتفرغ تمامًا لعيادته الخاصة المتكاملة المجهزة بأحدث تقنيات الفحص والتشخيص لـ جراحات الليزك وتصحيح النظر والمياه البيضاء وعلاج ضغط العين (الجلوكوما).

​وفي هذه العيادة الدافئة، أدأب دائماً على زيارته لنستعيد أطراف الحديث عن الأيام الخوالي، ونقلب صفحات الذاكرة التي جمعتنا في محطة قطار المقدادية وذاك الزمن الجميل.

​عاشراً: مصائر الرباعي الذهبي – وفاء واعتزاز

​تكتمل صورة هذه القصة الملهمة عندما ننظر إلى المصائر المشرقة لذلك الرباعي الذهبي الذي انطلق من أزقة المحطة البسيطة:

  1. الدكتور عمار أحمد البرزنجي: الدبلوم العالي في طب وجراحة العيون، وأخصائي جراحة الليزك والمياه البيضاء وتصحيح البصر.
  2. الدكتور المهندس مازن: واصل دراساته العليا بتفوق حتى نال شهادة الدكتوراه في الهندسة المدنية.
  3. الدكتور مثنى: نال شهادة الدكتوراه في علوم الحياة (البيولوجي)، وأصبح أستاذًا ورئيسًا لقسم علمي.
  4. الصيدلاني كريم مسير (رحمه الله): أتم دراسته في الصيدلة وعاد ليخدم مجتمعه بمهنية ونقاء، قبل أن تمتد إليه يد الغدر في حادث اغتيال أليم رحل على إثره إلى جوار ربه.

​الخاتمة: رسالة إلى الأجيال

​إن قصة الدكتور عمار البرزنجي ليست مجرد سيرة ذاتية لشخص حقق نجاحًا مهنيًا، بل هي درس حيّ في معنى "قيمة الجذور" و"صلابة الشخصية".

​لقد أثبت ابن محطة قطار المقدادية وبيت "أحمد الدرويش" أن الظروف القاهرة، والعشرين عاماً التي تفصل بين القبول والتخرج، لا يمكنها أن تطفئ شعلة الشغف إذا كانت قائمة على عقيدة إنسانية وإرادة حقيقية.

​يبقى الدكتور عمار نموذجًا للطبيب الإنسان الذي يعطي لمهنته شرفًا وقيمة، ولابن المنطقة البار الذي لم تغيره الألقاب، ليظل اسمًا مضيئًا في تاريخ شهربان، وجراحًا ينير حياة الآخرين بوهج الأمل والضياء.

google-playkhamsatmostaqltradent