طوفان الفقر: حين يغدو الجوع ناطقاً باسم الكارثة
بقلم: خوام الزرفي
عرف الإنسانُ اللهَ حين عرف الخبز؛ فهذه البديهية الأزلية تختصر حقيقة الوجود البشري: لا تكلّم إنساناً جائعاً، لأنه ببساطة لن يفهم ما تقول، فصوت الأمعاء الخاوية يعلو على كل حكمة. ولأن الفقر والبطالة يمثلان أصل كل داء ومصدر كل شر، لم يكن غريباً أن يصبّ الدين والفكر الإنساني جُلّ اهتمامهما على معالجة هذه الآفة القاتلة وتوفير الحلول الاقتصادية الناجعة لها.
![]() |
| طوفان الفقر ونتائجه: الأسباب، الحلول الاقتصادية، ودور التكافل الاجتماعي. |
في هذا المقال، سوف نتطرق إلى التكييف الشرعي والإنساني لمواجهة العوز والبطالة، ونحلل الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تقود إلى "طوفان الفقر" والانفجار المجتمعي، واقع مرير وسيناريوهات الانفجار" عند الحديث عن أثر الفقر والضغوط النفسية في اغتراب المواطن داخل بلده. كما نسلط(الاغتراب الاجتماعي وخطورة الفقر داخل الوطن), الضوء على الحلول الواجب اتخاذها لحماية الاستقرار وتحقيق العدالة الاجتماعية.
الدين في مواجهة الغائلة: التكافل الاجتماعي ومكافحة العوز
لو تأملنا النص القرآني، لوجدنا إشارة لافتة لترتيب الأولويات؛ ففي الوقت الذي جاءت فيه آيات الصيام بأربع، وأحكام الحدود ببضع عشرة، والصلاة بنحو ثلاثين آية، تجاوَزت الآياتُ التي تعالج الفقر وتفصّل في الزكاة والصدقات الخمسين آية. لقد فرض الإسلام التكافل الاجتماعي وجعل في أموال الأغنياء حقاً معلوماً للسائل والمحروم، وأمر بالسعي والعمل لضمان توفير فرص العمل والعيش بكرامة.
ولم تكن أدبيات الفكر الإسلامي بأقل حدة في وصف هذه الظاهرة؛ فكلمات الإمام علي (عليه السلام) تأتي كالصاعقة لتلخص المأساة:
"القبر خير من الفقر"، و*"الفقر يفسد الأخلاق"*.
هل هناك وصف أسيَر أو أقسى من هذا؟ أن تكون بطن الأرض أرحم من عيشٍ يجرّ صاحبه إلى ضياع الأخلاق واتساع رقعة الجريمة تحت ضغط العوز والحرمان!
الواقع الاقتصادي وسيناريوهات الانفجار الاجتماعي
الواقع الاقتصادي وسيناريوهات الانفجار الاجتماعي" عند التطرق إلى ضرورة توفير فرص العمل ودعم الزراعة والصناعة وبناء خطط تنمية حقيقية. (التخطيط الاقتصادي وخطط التنمية لإنعاش القطاعات الإنتاجية). في عراق ما بعد الاحتلال، أخذ الفقر منحنىً كارثياً نتيجة تراجع الاستثمار والتنمية الاقتصادية. أُغلقت آلاف المصانع والمعامل، وتراجع النشاط الاقتصادي الخاص، وُهِمش القطاعان الزراعي والصناعي، فلم يعد أمام المواطن من سبيل للعيش سوى الوظيفية الحكومية أو السلك الأمني.
وهنا تحكمنا الفيزياء كما تحكمنا السياسة: "كثرة الضغط تفكّ اللحيم". إن استمرار الضغط المادي والنفسي يؤدي إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها؛ فالغاز تحت الضغط الشديد إما أن يتحول إلى سائل أو يؤدي إلى انفجار عارم. والزمن ليس كفيلاً بحل المشاكل إذا كان هذا الزمن نفسه معجوناً بالقهر والجوع والشقاء.
لقد خلق الله الإنسان ليكون خليفة في الأرض، يستعمرها ويستمتع بحديث خيراتها، لا أن يموت وهو على قيد الحياة تحت وطأة الاستغلال. إن الناس متساوون كأسنان المشط، لكن القوانين الجائرة التي سنّها البعض لمصالحهم أكلت حصة الفقير، وزادت الفوارق الطبقية، وهربت الثروات والميزانيات إلى الخارج بدلاً من استثمارها في بناء المصانع وتنمية الزراعة.
بين فلسفة "تولستوي" والعدالة الاجتماعية
هذا العبث أوجد حالة من الفقدان والسرقة والفساد لدى الطبقات المستغلة، فالمال والمركز حين يقعان في يد الجاهل يفقدانه توازنه الإنساني. وعلى الضفة الأخرى، تجلى الموقف الإنساني الخالد في تجربة الأديب الروسي "تولستوي"، الذي كان يملك المزارع والأراضي، لكنه سأل نفسه:
"لماذا أملك أنا وغيري لا يملك؟"
فترك الترف والنعيم وكتب بعمق عن الفقر والعدالة الاجتماعية بعد أن عرف مرارته، تحقيق العدالة الاجتماعية وتفعيل مبدأ الثواب والعقاب ليخلد اسمه في ذاكرة البشرية، بين فلسفة تولستوي والعدالة الاجتماعية" عند مناقشة استغلال الثروات والمطالبة بالعدالة وتقليص الفوارق الطبقية..
أما واقعنا اليوم، فتصوّره المشاهد اليومية البشعة التي تطالعنا بها وسائل الإعلام: رجل عجوز أثقله العوز، وشاب يحرق نفسه لعدم وجود فرصة عمل، ووالد يعرض أطفاله للبيع، وعلماء وأكاديميون عاطلون عن العمل. الفقر والحاجة يصرخان في كل زاوية، والعدالة تصرخ في الداخل ضد هذه اللامساواة الظالمة، كأننا نردد مع الشاعر:
أظمتني الدنيا فلما جئتها ... مستسقيا مطرت علي مصائبا
أذن واعية.. قبل ثورة الجياع
الفقر ليس خطيئة، لكن استعلاء الغني وإهانته للفقير هو الخطيئة الكبرى. ثورة الجياع إذا اندلعت لا تبقي ولا تذر؛ لأنها طوفان يجرف في طريقه كل شيء، وحينها تفقد الحياة سياقاتها وتعم الفوضى.
فهل من "أذن واعية" تعي الحقيقة قبل فوات الأوان؟ وهل بقيت في الأفق بقية من حكمة لتطبيق الإصلاح الاقتصادي والحد من هذا الطوفان القادم وحماية العراق وأهله؟ أم أننا نقف بالفعل على أعتاب الكارثة.. وماذا بعد الطوفان؟
